منتديات زنقتنا-منتديات شباب ليبيا الأحرار

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
يرجي التكرم بتسجبل الدخول إذا كنت عضو معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضو وترغب في الإنضمام إلي أسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك

إدارة المنتدي

أصحاب السبت.. اللّعنة بعد المعصية

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أصحاب الأخدود.. الثبات على التوحيد

مُساهمة من طرف الشابي في الخميس 24 يوليو - 21:08

يقول الله تعالى: «وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ».
ملك جبار
بدأت قصة أصحاب الأخدود بقصة أخرى كانت الدافع والسبب الرئيس لحفر الأخدود، وإلقاء الناس فيه، حيث كان مَلِكُ تلك البلاد جباراً متكبراً، وفوق ذلك كله ادعى الألوهية، ودعا الناس إلى عبادته من دون الله، وكان له ساحر طاعن في السن، يستعين به في أمور الدولة، ويتكهن له عما سيحدث من الوقائع والأحداث..
ولما أحس الساحر بعدم قدرته على إكمال العمل مع الملك، طلب منه أن ينتخب له غلاما نبيها، يعلمه أسرار النجوم، ومهارات السحر، ليكون خليفة له عند ذاك الملك الذي أبدى موافقته لاستقطاب الراغبين «في هذا الشرف وهذه الوظيفة المرموقة»، وأخذوا يختبرون الغلمان المتقدمين ليعرفوا مدى نجابتهم وسعة فهمهم، ووقع الاختيار على غلام أرسل إلى الساحر ليتعلم منه فنون السحر.
راهب صالح
وأثناء التوجه إلى بيت الساحر البعيد، شاهد الغلام في طريق ذهابه وعودته راهباً يعيش منعزلاً عن الناس، فجلس معه مرة وأخذ يكلمه، وأعجب بكلامه وحكمته وصحة منهجه ومسلكه، فصار يجلس معه في كل مرة يتوجه فيها إلى الساحر الذي كان يعاقبه على تأخره في المجيء، دون أن يعلم أنه يقضي وقته بصحبة الراهب الصالح، ولكن لما كثر العقاب على التأخير، شكى الغلام ذلك الأمر للراهب، وقال له: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، فكان يقضي وقته مع الراهب ويتعذر لأهله بذلك العذر.
وفي أحد الأيام، وأثناء توجهه إلى الساحر، اعترض طريق الناس حيوانٌ عظيم، فقال الغلام في نفسه، اليوم سأعرف أيهما أفضل، الساحر أم الراهب، ثم أخذ حجراً وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، ثم رمى بذلك الحجر على الحيوان فقتله، فتعجب الناس مما فعل الغلام، وظنوا أن ذلك سحراً من التعليم الذي يتلقاه على يد الساحر.
وبعد مقتل الدابة مضى الناس في طريقهم، ومضى الغلام للراهب، وأخبره بما حدث. فقال له: يا بني، أنت اليوم أفضل مني، وإنك ستُبتلى، فإذا ابتُليت فلا تدلّ عليّ.
معجزة أخرى
ثم منّ الله تعالى على الغلام بمعجزة أخرى، إذ وهبه القدرة على مداواة الأمراض المستعصية، فكان بتوفيق من الله يبرئ الأكمه والأبرص، ويعالج جميع الأمراض، وذات يوم سمع به أحد جلساء الملك، وكان قد فَقَدَ بصره، فجمع هدايا كثيرة وتوجه بها للغلام، وقال له: أعطيك جميع هذه الهدايا إن شفيتني، فأجاب الغلام: أنا لا أشفي أحداً، فالله تعالى هو الذي يشفي، فإن آمنت بالله دعوته فشفاك، فآمن جليس الملك، فشفاه الله تعالى.
ذهب الجليس، وقعد بجوار الملك كما كل مرة قبل أن يفقد بصره، فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟ فأجاب بثقة المؤمن: ربي، ففرح بهذا الجواب، ظناً منه أن الرجل يقصده، لكنه سارع وبين له أنه يقصد الله رب العالمين، وليس «هو» الذي استخف بالناس، وادعى الألوهية.
بعد هذا الجواب الذي يليق بالإنسان المؤمن، غضب الملك وقال له: أوَلَكَ ربٌّ غيري؟ فأجابه دون تردد: ربّي وربُّك الله، فثار الملك، وأمر بتعذيبه، ولم يزل يُعذَّب حتى أخبرهم بأمر الغلام، وما كان من أمره، وطلب منه أن يؤمن ليردَّ الله عليه بصره.
حوار الملك والغلام
أمر الملك بإحضار الغلام، ثم قال مخاطباً إياه: يا بني، لقد بلغت من السحر مبلغاً عظيماً، حتى أصبحت تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فرد عليه الغلام: إني لا أشفي أحداً، لأن الشافي هو الله، فغضب الملك وأمر بتعذيبه، فعذّبوه عذاباً شديداً ليخبرهم عمن علَّمه وأرشده إلى عبادة الله تعالى، فلم يزالوا به حتى شُقت عليه شدةُ العذاب، فأخبرهم عن الراهب، ودل على مكانه.
جاء الملك بالراهب، وطلب منه أن يكفرَ بالله تعالى، ويرجع إلى عبادته، فأبى ذلك، فجيء بمنشار، ووضع على مفرق رأسه، ثم نُشِر، فوقع نصفين، ثم أحضر جليس الملك الذي آمن، فرد الله إليه بصره، وقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فَفُعِلَ به كما فُعِلَ بالراهب، ثم جيء بالغلام، وقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فأمر الملك بأخذه إلى قمة جبل، وتخييره هناك، فإما أن يترك دينه أو أن يطرحوه من الأعلى.
قمة الجبل
وبالفعل أخذ الجنود الغلام، وصعدوا به إلى قمة الجبل، فدعا ربه قائلاً: اللهم اكفنيهم بما شئت. فاهتزّ الجبل وسقط الجنود، ورجع الغلام يمشي إلى الملك الذي سأله: أين من كان معك؟ أجاب: كفانيهم الله تعالى، فأمر جنوده بحمله في سفينة، والذهاب به إلى عرض البحر، ثم تخييره هناك بالرجوع عن دينه أو إلقائه في الماء، ولما ذهبوا به، دعا الله قائلاً: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانقلبت بهم السفينة.
وغرق من كان عليها إلا «هو»، ثم رجع إلى الملك، فسأله باستغراب: أين من كان معك؟ فأجاب: كفانيهم الله، ثم تكلم بكلام غريب، إذ أخذ يدل الملك على الطريقة التي يمكن أن يقتله بها، فقال: إنك لن تستطيع قتلي حتى تفعل ما آمرك به، فقال الملك: ما هو؟!
قال: الطريقة التي تستطيع بها قتلي أن تجمع الناس في مكان واحد، وتصلبني على جذع، ثم تأخذ سهما من كنانتي، وتضعه في القوس، وتقول: «بسم الله ربّ الغلام»، ثم ترميني به، فإن فعلت ذلك قتلتني.
ظهور الحق
استبشر الملك خيراً، لأنه عرف كيف يقتل الغلام، وينهي الدعوة لتوحيد الله تعالى، فأمر بجمع الناس، وصلب الفتى أمامهم، ثم أخذ سهما من كنانته، ووضعه في القوس فرماه، فلم يصبه، ثم أخذ آخر وقال: بسم الله ربّ الغلام، وأطلقه فأصابه وقتله، عندها عرف الناس صدق دين الغلام، وبطلان ألوهية الملك، وأخذوا يصرخون: آمنا بربّ الغلام، بينما هرع أصحاب الملك إليه قائلين: أرأيت ما كنت تخشاه! لقد وقع، فقد آمن الناس.
استشهدوا حرقاً
بعد تلك الحادثة أمر الملك بحفر شقّ في الأرض، وإشعال النار فيه، ثم أمر جنوده بتخيير الناس، إما الرجوع عن الإيمان، أو إلقاؤهم في النار، فأشعلوا ناراً عظيمة، وأخذ الملك يشرف بنفسه على إلقاء المؤمنين فيها، وكان الجنود يخيرون كل مؤمن بين القذف فيها، أو الرجوع عن الإيمان، ومن يرفض يُلقَ، حتى جاء دور امرأة ومعها رضيعها، فخافت أن ترمي به في النار، فألهم الله الصبي فنطق وهو في المهد، وقال لها يا أمّاه اصبري فإنك على الحق، فقذفت بنفسها في النار، فمات أصحاب الأخدود حرقاً، ليحفظوا دينهم ويأبوا الكفر والضلال.
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الذئب.. اتهمه إخوة يوسف وبرأه الله

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:15



   

ورد ذكر الذئب في القرآن الكريم، في سورة يوسف عليه السلام، على لسان سيدنا يعقوب عليه السلام، حيث قال لأولاده حينما طلبوا منه أن يرسل معهم أخاهم يوسف ليرتع معهم ويلعب: «إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ» [يوسف: 13 - 14]، ثم جاء على لسانهم مرة ثانية، حيث قالوا: «يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [يوسف: 17].

شيطان متربص

والذئب يضرب مثلاً للحيوان الذي يقتنص الغفلات، يظهر ذلك من قول سيدنا يعقوب عليه السلام: (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ)، وفي الأمثال السائرة التي تقال في تبرئة خالي الساحة من ذنب أو جريمة، «إنه برِيء براءةَ الذِّئب من دم ابن يعقوب»، ويضرب الذئب مثلاً للشيطان المتربص بالإنسان، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول في فضل صلاة الجماعة ولزوم رأي الجماعة: «فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، فالشَّيْطَان مسلط على مفارق الْجَمَاعَة، كما يتسلط الذئب على الغنمة البعيدة عن قطيعها».

وأما عن طبائعه، فالذئب من أكثر الحيوانات عواء إذا كان مرسلاً، فإذا أخذ وضرب بالعصا أو السيوف لم يسمع له صوت حتى يموت، وهو حيوان له صبر على الجوع ما ليس لغيره، اللهم إلا الأسد، ومن عجيب أمره أنه ينام بإحدى مقلتيه، والأخرى يقظى؛ حتى تكتفي العين النائمة من النوم فيفتحها وينام بالأخرى ليحترس باليقظى، ويستريح بالنائمة.

الفريسة الأفضل

الذئب حيوان ضار، مفترس قاس، وهو ذكي صبور شجاع، يظهر المهارة في القتال، ويبحث عن فريسته نهاراً، وينام ليلاً، ويرتاد الأماكن المنعزلة، ويمكن أن يعيش وحيداً، وهو صياد ماهر يعمل منفرداً عندما تكون الفريسة صغيرة، وقد تهاجم مجموعة ذئاب فريسة واحدة، إذا كانت كبيرة الحجم.

 والذئب لا يأكل الجيفة مهما كان جوعه، وهو حيوان لا يتهجن ولا يصبح أليفاً كباقي الحيوانات المفترسة كالنمور وغيرها، وإذا يهجم على قطيع من الغنم أو غيرها من المواشي يختار أفضل الموجود ويظل يبحث بينها حتى يجد الأفضل، وهو كثير الحركة فلا يستقر بمكان معين، ومعدل سرعته بين 40- 44 كم/ ساعة، وله نفس طويل في الجري ففي استطاعته أن يجرى طول النهار دون راحة.

قصة يوسف عليه السلام

رزق الله تعالى نبيه يعقوب عليه السلام، اثني عشر ابناً، منهم ستة من زوجة واحدة؛ وأربعة من اثنتين، زلفى وبلهة؛ واثنين من زوجته راحيل هما: يوسف، وأخوه بنيامين، توفيت راحيل وتركت يوسف وبنيامين صغاراً، فكان يعقوب عليه السلام يعوض هذين الصغيرين عن فقد الأم بمزيد من الاهتمام والحنان، وتلك مشاعر فطرية فطر الناس عليها، وزاد من حبه ليوسف ما كان عليه من المناقب الحميدة..

ولكن إخوة يوسف لم يلتفتوا إلى ذلك، ولم يلتفتوا إلى أن حبهما لم يمنعه من حبهم، وأن المحبة ليست مما يدخل في وسع البشر، وإنما الذي يدخل في وسعهم العدل. لم يلتفتوا إلى أنهم كبار لا يحتاجون إلى ما يحتاج إليه هذان الصغيران، ولكنه سوء الفهم، والأَثَرَة، وتزيين الشيطان، الذي يجعل الإنسان يخطئ التقدير، فحسدوهما، والحسد داء يفعل الأعاجيب، ويوقع صاحبه في صغير الشر وكبيره، فقالوا: «لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ».

فكرة التخلص منه

قرر إخوة يوسف التخلص منه، واستقر رأيهم على تخفيف الأمر بأن يلقوه في بئر على طريق القوافل، في مكان مخفي منه بعيد عن الماء، لعل قافلة تأخذه فيرتاحوا، وتوهموا أنه بذلك يخلص لهم ود أبيهم، وسألوا أباهم أن يسمح لهم أن يأخذوا يوسف ليأكل من الثمار، ويلعب في وسطهم في الحقل أو البرية، فاعتذر بأن فراقه يحزنه، وأيضاً مخافة أن تأكله الذئاب المنتشرة في تلك الحقول وهم عنه غافلون، فتعهدوا بالحفاظ عليه وهم يضمرون الخيانة، «قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ».

فعل إخوة يوسف ما اتفقوا عليه، ورجعوا إلى أبيهم عشاء يبكون، واختاروا العشاء لئلا يظهر تصنعهم للبكاء، واتهموا الذئب بأنه أكل يوسف حتى إنه لم يَبق منه شيء، وذلك بعد أن ذهبوا ليتسابقوا وتركوه ليحفظ حاجاتهم: «قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ»، وحتى يحبكوا الكذبة، جاؤوا معهم بقميص يوسف، وقد لطخوه بدم، قد يكون دم شاة أو غيرها، ولكنهم لم يحبكوها حيث وصف الله هذا الدم بأنه كذب، أي ظاهر الكذب متكلف مصطنع، ولو كان من أثر افتراس الذئب لصاحبه، لظهر التمزق والتخريق في القميص، ولتغلغل الدم في قطعة منه.

avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يأجوج ومأجوج.. الشر المسجون

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:23

يمكن القول إن قصة ذي القرنين مع يأجوج ومأجوج من عجيب ما حدثتنا به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عن حادثة فريدة لها خصائص لا توجد في غيرها من الحوادث، أبرزها أنها بدأت في عهدهم وحاضرة في أيامنا هذه، ويتجلى أثرها مع قرب قيام الساعة، بل إن ظهورها علامة من علاماتها الكبرى.
وذكر لنا القرآن الكريم من سيرة ذي القرنين ما يخبرُ عن شخصية ذلك القائد المؤمن العظيم الذي دعا إلى الله تعالى على بصيرة، وكان مثالاً للحاكم العادل الذي يُجري الله الحق على يديه، فخرج من بلدة يذكر أنها حمير، لينشر الإيمان بعد أن آتاه الله من كل شيء سبباً، أي أنه حوى من العلوم الشيء الكثير وفق قول المفسرين، وقيل إنه كان له من المستشارين في كل العلوم الهندسية والطبية والعسكرية والاجتماعية وغيرها، فأخذ يطوف بجيشه الأرض لإقامة العدل، فتوجه إلى غربها الذي لا يوجد بعده يابسة..
فوجد الشمس تغرب فيه كأنها تتوقد وتشتعل، وقيل إنه رآها تغرب في منطقة حمم بركانية، ورأى في تلك المنطقة أناساً يظلمون الضعفاء ويسرقون ويفعلون المنكرات، فخيره جيشُه بين أن يعذب الظالمين ويأخذ على يد الضعيف، أو يحسن للجميع ويرضيهم، فكان رأيه أن يكافئ المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته، وهذا المبدأ يجعل المجتمع متوازناً حتى لو ذهب عنهم، وقيل في الأمثال: «من أمن العقوبة أساء الأدب».
الإصلاح في »الشرق«
بعد أن حكم ذو القرنين في أهل غرب الأرض، وأصلح أحوالهم، تركهم قاصداً قوما آخرين يدعوهم إلى الله تعالى ويحكم فيهم بشرع الله، فتوجه إلى أقصى شرق الأرض، فوجد فيها قوماً يسكنون أرضاً مفتوحة لا شجر فيها ولا جبل، و لا يجدون ما يتقون به حر الشمس ولهيبها، فدعاهم إلى الله تعالى، وسخر المعارف والعلوم، فبنى لهم المساكن، ثم تركهم بعد أن تحسنت أحوالهم وصلحت أمورهم..
ومضى ليكمل دعوته إلى الله، ومر بطريق بين الجبال قيل إنها في بلاد الصين، فرأى فيها أقواماً يتكلمون بلغة غريبة لا يكاد يفهمها أحد، وحاول أن يتفاهم معهم، ويعرف احتياجاتهم، مستعيناً بالمترجمين، الذين وصل عددهم إلى 70 شخصاً، فشكوْا له قوماً جبارين يعيثون في الأرض الفساد، ولا يتركون قبيلة من دون أذى، ووصفوهم له بأن أجسادهم كبيرة، وجوههم عريضة ومستديرة، عيونهم صغيرة، شعرهم أسود، فيهم حمرة، وهم من كل حدب ينسلون، أي أنهم ينتشرون في الأرض بسرعة، وكان اسم القبيلتين الجبارتين يأجوج ومأجوج.
ويأجوج ومأجوج كثيرو العدد، حتى أن الروايات ذكرت في كثرتهم بأن الله تعالى خلق البشر 10 أجزاء، 9 منها من يأجوج ومأجوج، والجزء العاشر هم سائر البشر، وكانوا يسكنون وادياً بين جبلين لا مخرج لهم إلى الناس إلا عن طريقه، فقال المستضعفون لذي القرنين: سنعطيك الأموال مقابل أن ترد عنا أذى يأجوج ومأجوج، بأن تبني لنا سداً من الحجارة لفصلهم عنا، فأراد ذو القرنين أن يساعدهم..
وأن يكونوا فاعلين في مجتمعهم، فأشركهم في صناعة السد، وطلب معونتهم فيه، مع كونه يمتلك جيشاً جباراً، وطلب منهم أن يجمعوا له الحديد، ثم جعله قِطَعاً بعضها فوق بعض، حتى أصبحت بمستوى ارتفاع الجبلين، ثم أمر بالنار أن توقد من تحتها، إلى أن احمر الحديد، وسكب فوقه النحاس المنصهر ليتماسك الخليط، ويكون قوياً ومحمياً من الصدأ والتآكل.
محاولات بائسة
حاول قوم يأجوج ومأجوج القفز فوق الردم الذي صنعه ذو القرنين، ثم حاولوا ثقبه وتحطيمه من دون جدوى، ولما تأكد من نجاح صده لهم، لم ينسب ذو القرنين الفضل لنفسه أو يتفاخر بقوته، بل رده إلى الله تعالى، وقال: {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} سورة الكهف (98).
هنا انتهى الخطاب القرآني في قصة ذي القرنين، ولكن لم ينته أمر يأجوج ومأجوج بهذا السد المنيع، فبقوا خلفه، وإلى الآن هم يتناسلون ويكثرون، ويحاولون الخروج، وذُكر في الآثار أنهم في كل مرة يحفرون فيها ثقباً يقولون: سنكمل في الغد، ثم يأتون وإذا به قد أغلق، إلى أن يأتي منهم من يحفر فيقول: أكمل غداً بإذن الله، فيأتي، فيرى الثقب مكانه، ثم يكمل إلى أن يخرجوا من السد، فينتشرون في الدنيا.
ولكي يعرف الناس خطرهم، ننظر إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم، إذ استيقظ يوماً من النوم محمراً وجهه، وقال‏:‏ ‏«‏لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب؛ فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه‏‏، وعقد بين السبابة والإبهام، فقيل‏:‏ أنهلك وفينا الصالحون‏؟‏
قال‏:‏ ‏‏نعم، إذا كثر الخبث‏، فإذا فتح السد، وخرج يأجوج ومأجوج، فإن ذلك علامة من علامات الساعة الكبرى، وسيخرجون بعد أن يكون عيسى عليه السلام قد نزل، فينتشرون في الأرض، ويقتلون ويخربون كل ما حولهم، ولا يبقون على أحد من البشر إلا وقتلوه أو أن يتبع دينهم، فيسيروا باتجاه الشام، فيأمر عيسى عليه السلام من معه بأن يسكنوا جبال فلسطين.
هلاك يأجوج ومأجوج
وفي أثناء ذلك يتقدم يأجوج ومأجوج إلى الشام، ويمرون على بحيرة طبريا، ومن كثرتهم يمر أول جندي من الجيش بالبحيرة فيشرب منها، فإذا مر آخرهم، لم يجد إلا الطين المبلول، فيقال:
قد كان هنا ماء، ثم يدخلون الشام ويتوجهون ناحية فلسطين، فلا يبقى في الأرض من غيرهم إلا وقتلوه، أو أن يتبع ملتهم، فينالهم بذلك كِبرٌ عظيم، ويقولون: قتلنا أهل الأرض، فلنقتل الله وأهل السماء، ثم يرمون رماحهم نحو السماء فترجع لهم وهي مملوءة بالدماء، فيقولون قتلنا الله، ثم يحاصرون عيسى عليه السلام ومن معه، ويقل الطعام عند المؤمنين حتى يكون عندهم رأس الثور خيراً من ألف دينار، فيرفعون أكفهم بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى بأن ينجيهم من هذا البلاء، فيرسل الله تعالى على يأجوج ومأجوج النغث، وهي دودة صغيرة توجد في أنف البعير تأكل المخ والشرايين..
وتتسلط على أعناقهم ، حتى يُقتل الجيش كله في الوقت نفسه. وبعد موت الجيش، ينزل المؤمنون من الجبال وإذا بالأرض قد أنتنت من روائح جثثهم، فلا يستطيع أحد أن يعيش فيها، فيدعون الله تعالى أن يعينهم على ذلك، فيرسل الله لهم طيوراً ضخمة، أعناقها كأسنمة البخت، أي أن أعناقها كأعناق الجمال، فتأخذ جثثهم إلى مكان بعيد، ثم يرسل عليهم مطراً لا يدع موضعاً إلا ودخله، فتصبح الأرض كالمرآة من نظافتها، ويعم الخير في الدنيا، وتخرج الأرض خيراتها حتى لا يبقى فيها فقير أو محتاج، ويتقاسم الرجال الفاكهة من ضخامتها، وتستمر بها الحياة حتى تأتي العلامات الكبرى الأخرى.
ونختم القصة ببيان أن فتنة يأجوج ومأجوج ووجودهم في الدنيا فيه رحمة وكرم من الله تعالى ليدخل الناس إلى نعيم جنانه، فقد ورد في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول اللهُ تعالى: يا آدمُ، فيقول: لبَّيك وسعديكَ ، والخيرُ في يدَيك، فيقول: أَخرِجْ بعثَ النَّارِ، قال: وما بعثُ النَّارِ؟
قال: من كلِّ ألفٍ تسعمئةٍ وتسعة وتسعون (أي من كل 1000 يدخل النار 999)، فعنده يشيبُ الصغيرُ، وتضعُ كلُّ ذاتِ حملٍ حملَها، وترى الناسَ سُكارَى وما هم بسُكارَى، ولكنَّ عذابَ اللهِ شديدٌ. قالوا: يا رسولَ اللهِ، وأيُّنا ذلك الواحدُ؟ قال: أبشِروا، فإنَّ منكم رجلًا ومن يأجوجَ ومأجوجَ ألفًا. وقال فيما قال لهم: أرجو أن تكونوا نصفَ أهلِ الجنَّةِ. فكبَّرْنا، فقال: ما أنتم في الناسِ إلا كالشَّعرةِ السوداءِ في جلدِ ثورٍ أبيضَ، أو كشعرةٍ بيضاءَ في جلدِ ثورٍ أسودَ.
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شيث أول نبي بعد آدم وأعقبه إدريس

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:26

«قصة نبي» نعيش معكم قصة أنبياء بداية البشرية عليهم السلام، وكيف كانت دعوتهم لقومهم، في الوقت الذي كان الشيطان فيه يكيد لبني آدم، ويضلهم، ويغويهم ويزين لهم المعاصي والآثام، ويدعوهم إليها ليوردهم النار، سنتوقف في هذه المحطة عند نبيَّيْ الله شيث وإدريس عليهما السلام.
النبي شيث هو ابن سيدنا آدم عليهما السلام، وهو النبي الأول بعد وفاة والده، ومعنى اسمه «هبة الله»، وذُكر أنه وُلد بعد وفاة هابيل، فسماه آدم بهذا الاسم.
لما قتل قابيل هابيل حسداً واستكباراً، وفرّ مع زوجته من الجبال - حيث كان يسكن آدم وأبناؤه - إلى السهول، اصطفى الله تعالى من بني آدم شيثاً عليه السلام، فكان يعين أباه في أمر الدعوة والنصح والإرشاد، لا سيما مع ازدياد البشرية، وتناسل وتكاثر بني آدم، وكما ذكر في قصته، فإن آدم عليه السلام، عاش قرابة الألف سنة، فرأى من بنيه وبني بنيه الكثير.
نبوة شيث عليه السلام
حين حضرت الوفاةُ آدم عليه السلام، عهد لولده شيث بأمر بنيه، وأوصاه على أمورهم والقيام بشؤونهم، فتولى عليه السلام أمر المسلمين، وعندما توفيت أمه حواء بعد وفاة زوجها بسنة، تكفل بأعمال دفنها بالطريقة التي علمتهم إياها الملائكة عندما دفنت أباه، ثم أخذ يشرِّع للبشرية أمور الدين، ويبين لهم الحلال والحرام، حتى إن الله أنزل عليه 50 صحيفة...
وصار الناس يمتثلون إلى شريعته وشريعة أبيه عليهما السلام، ومما شرع لهم تحريم الاختلاط بقوم قابيل، لما كان من فساد أمرهم، وسوء أخلاقهم، والتزموا بأمره بعدم التوجه إلى السهول والاختلاط بقوم قابيل، امتثالاً لهذا التشريع الرباني من نبي الله شيث، الذي بقي الناس ممتثلين له، حتى توفاه الله تعالى، فعُهد أمر الناس بعده إلى ابنه أنوش، ولم يبعث الله تعالى نبيا بعده مباشرة، بل بقي الناس دون نبي، متبعين ما شرع لهم هذا النبي الكريم، وأبوه آدم عليهما سلام من الله.
بداية العصيان
مع غياب الأنبياء بعد وفاة أنوش، أراد الشيطان أن يوقع المعاصي في بني آدم، ويستميلهم ليعصوا الله تعالى، ويطيعوا هوى أنفسهم، ليكون ذلك بداية العصيان في الأرض، والخروج عن أمر الله تعالى، فذهب إلى قوم قابيل في السهول لِما يُعرف عنهم من ميل للباطل، وبعدٍ عن القوم الصالحين، فتشكل لهم بهيئة غلام، وعمل أجيراً لدى رجل منهم، وبعدها بزمن أخذ يبتكر لهم الأمور الغريبة..
وأشكال اللباس المتنوعة، فكان كما يقال في عصرنا الحالي «من يبتكر لهم الموضة»، ثم جعل لهم عيداً يجتمعون فيه، فتتبرج النساء للرجال، وصنع لهم مزماراً كمزامير الرعاة، وأخذ يزمر فيه بصوت جميل لم يُسمع مثله من قبل.
في تلك الأثناء أخذ الصوت ينتقل في الهواء، حتى اقترب من الجبال، فسمعه بعض قوم آدم من ضعيفي النفس، ولفتت غرابته انتباههم، فأخذوا يقتربون من ديار قوم قابيل، ويراقبونهم من بعيد، ويستمعون إلى مزاميرهم، لكنهم انتهوا عن عصيان ما في شريعة شيث عليه السلام، واكتفوا بالاستماع والمشاهدة من بعيد.
أول معصية زنا
وفي إحدى المرات تجرأ رجل من قوم شيث عليه السلام، ودخل بين قوم قابيل في عيدهم، فتعجب من حسن نسائهم، وطريقة تبرجهن، حيث كانت نساء السهول من قوم قابيل صَباح الوجوه، وفي رجالهم دمامة، فيما كان رجال الجبال من قوم آدم صباح الوجوه وفي نسائهم دمامة، ثم رجع ذلك الرجل إلى رفاقه، وأخبرهم بما رأى من حسن وجمال وتبرج، حتى أغراهم بما قال ووصف، فعصوا شيثاً عليه السلام، ودخلوا في عيدهم، واختلطوا بنسائهم، وافتتنوا بحسنهن، وافتتنت النساء بحسنهم، فتحلقوا حولهم، وحدث اللقاء بينهم، ليكون ذلك أول زنا يقع في تاريخ البشرية.
بعد تلك الحادثة تسامع ضعفاء الإيمان من قوم شيث ما حدث، فهفت نفوسهم إلى المعاصي والافتتان بالنساء، وأخذوا يهاجرون من الجبال إلى السهول، حتى بدأ يقل عدد أصحاب شيث عليه السلام مقابل زيادة عدد قوم قابيل، ودب الفساد والفسق والفواحش في قوم قابيل ومن هاجر إليهم، وامتد فحشهم إلى خارج قراهم، فأخذوا يهجمون على المؤمنين فيؤذونهم ويقتلون منهم.
إدريس عليه السلام
بعد هذا الفساد والكفر في قوم قابيل، والفتنة التي أصابت قوم شيث، أرسل الله تعالى نبيه إدريس عليه السلام، واسمه «أخنوخ»، لكنه سمي إدريس لكثرة عبادته ودراسته لكتاب الله، وهو إدريس بن مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم، وقد ولد عليه السلام في حياة آدم، وعاش معه 120 سنة، تلك حكمة الله وقدرته بأن كانت أعمارهم طويلة، فيعاصر الأب من نسله الخلق الكثير.
واقتراباً من مناقب إدريس عليه السلام، فقد كان عابداً، كثير التأمل في خلق الله تعالى، كان طويل البنية، كثيف اللحية، كثير النظر إلى الأرض في مشيته، في عينيه مسحة حزن، إذا غضب احتد، وإذا تكلم حرك سبابته، وكان من أكمل شريعة شيث عليه السلام.
فساد قوم قابيل
أرسل الله تعالى إدريس عليه السلام ليقضي على الشر والفساد الذي خلفه قوم قابيل في الأرض، فكان أول من شرع القتال في سبيل الله تعالى، وأول من سبى، حيث جهز الجيوش، وهجم على قوم قابيل بالخيول والمشاة فهزمهم وقتل وسبى منهم، فكان سبباً في تقليل شرهم على الدنيا.
كما كان له عليه السلام، فضل على البشرية، لأنه أول من خط بالقلم، وكتب، وعلم الناس الكتابة، وقد أكرمه الله تعالى بأن رفع قدره في الدنيا والآخرة، قال تعالى: «واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً، ورفعناه مكانا عليا»، فمن الأمور التي أعلى الله قدره بها، أن جعله في السماء الرابعة، والتقاه النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج فيها. وذكر أن الله تعالى أكرمه في الدنيا بأن جعل له من الأجر في كل يوم بمقدار أجر البشرية جمعاء ممن كان في عصره.
من الإسرائيليات
جاء في الكتب عن تفسير الآية الكريمة التي ذكرت إدريس عليه السلام، قصة ذكرت في الإسرائيليات التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن لا نصدقها ولا نكذبها، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يستأنسون بما لم يأت به قرآن ولم تبينه السنة، فروي أن ابن عباس رضي الله عنه سأل كعب الأحبار عن قوله تعالى «ورفعناه مكاناً علياً» كونه مطلعاً على علم أهل الكتاب مما عند بني إسرائيل..
فذكر أن الله تعالى أكرم إدريس عليه السلام، بأن له من الأجر كل يوم بقدر عمل بني آدم في ذلك الزمان. ولكي يزيد إدريس في الأجر، أراد أن يؤخر عمره شيئاً من الزمن، وكان له مَلَك خليل له وذكر له ما يريد، فحمله على جناحه وصعد به إلى السماء ليلتقي بملك الموت ويكلمه في ذلك، فالتقى المَلَك بملك الموت في السماء الرابعة وسلم عليه، وأخبره بما يريد إدريس منه، فقال له: وأين هو؟
فقال الملك: هو ذا على ظهري، فتعجب ملك الموت، وقال: سبحان الله، إن الله تعالى أمرني أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة، وكنت في حيرة من أمري، إذ كيف سأقبض روحه في السماء الرابعة وهو على الأرض. فقبض إدريس عليه السلام مصداقاً لقول الله تعالى «ورفعناه مكاناً عليا».
القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف:
101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120) وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

زكريا ويحيى.. التكريم والابتلاء

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:30


القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف: 101).

وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120).

وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

نعيش اليوم معكم مع قصة آخر الأنبياء، قبل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي قصة نبيَّيْ الله زكريا وابنه يحيى عليهما السلام اللذين عاشا في زمن عيسى عيه السلام الذي سنتطرق إلى قصته وحده، لما فيها من أحداث ومواقف ومعجزات تم ذكرها.

وزكريا عليه السلام نبي كريم وعابد لله تعالى، وهو من ذرية أنبياء كرام، ذكر أنه ينسب إلى يعقوب عليه السلام، وكان مع ذلك إنساناً فاعلاً في مجتمعه، يأكل من عمل يده بمهنة نجار، وأرسل في بني إسرائيل، وحدث في عهده أن رجلاً كان يسمى عمران من ذرية إبراهيم عليه السلام، وكان راهباً عابداً اصطفاه الله تعالى و آله، مثلما اصطفى آدم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}، وحينما حملت زوجة عمران، نذرت أن تجعل الجنين الذي في بطنها خادماً لله تعالى، يقوم على خدمة دار العبادة، ويعنى بشؤونها، فقالت: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، فلما ولدت تبين أن المولود أنثى، لا يجوز أن تخدم الدير، بحكم أن هذه الوظيفة لا تحق إلا للذكور، {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ .

وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}، وحينما كبرت مريم عليها السلام، وصارت قادرة على خدمة دار العبادة، تسابق الرهبان لكفالتها، واقترعوا في ما بينهم بأن وضعوا الأخشاب في النهر، واتفقوا على أن الشخص الجدير بكفالتها هو من تبقى خشبته في النهر، وكان من بين المقترعين زكريا عليه السلام الذي بقي سهمه في مكانه، وأخذ يمشي بعكس اتجاه التيار، فعرفوا أن القرعة من نصيبه، وأن هذه إرادة الله تعالى في ذلك.

الدخول على مريم في المحراب

كان لمريم عليه السلام ركن خاص تختلي فيه بنفسها لعبادة الله، وكلما كان عليه السلام يدخل عليها ذلك المحراب، يجد عندها من الطعام الشيء العجيب، كان يجد فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ولما سألها عن مصدر هذا الطعام الذي لا يمكن لأحد أن يأتي به، لا سيما أنه لم تكن الأجهزة التي تحفظ الأطعمة موجودة في تلك العصور، ولم تكن ثمة وسائل لنقل الطعام من بلد إلى آخر، أجابته عليها السلام: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، فعندها {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ .

قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً. إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}، وكان عليه السلام في ذلك الوقت رجلاً طاعناً في السن، جاء في بعض الروايات أن عمره بلغ 77 عاماً، وامرأته كانت «طاعنة» كذلك، ووصلت إلى سن اليأس، وهنا يعلمنا عليه السلام كيف ندعو الله تعالى، فهو مع كونه شيخاً كبيراً، وامرأته عاقراً، فإنه لم يدعُ الله تعالى بالذرية فقط، بل اشترط في دعائه أن تكون طيبة، لأن المهم هو صلاحها وليس كثرتها.

استجابة الدعاء

ما إن دعا زكريا عليه السلام ربه، حتى استجاب له، لأنه سبحانه يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ولا تقف دون إرادته أي إرادة، فأوحى الله تعالى للملائكة أن تزف له البشرى باستجابة دعوته، فقال الله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ}، فاستعجب زكريا عليه السلام مع فرحه من هذه البشارة، وأخذ يستفسر عن الكيفية التي سيأتي بها الولد وامرأته عاقر لا تنجب، وهو شيخ كبير، فبينت له الملائكة أن هذه منَّة من الله تعالى، وكما أنه سبحانه أوجد المخلوقات من العدم، فإنه قادر على فعل ذلك.

هنا طلب زكريا عليه السلام من الله تعالى أن يعطيه علامة لوقت استجابة الدعوة، فجاءه البيان أن فمه سيعجز عن الكلام مع الناس، من دون أن يكون فيه مرض أو علة، وعندما خرج عليه السلام من مصلاه، وأراد التسبيح، استطاع ذلك وسمعه الناس، لكنه حينما أراد الكلام معهم لجم لسانه، ولم يستطع ذلك بغير التسبيح، وخاطبهم بالإشارة أن سبحوا بكرة وعشياً.

ميلاد يحيى

عندما ولدت زوجة زكريا طفلاً ذكراً، سماه الله تعالى اسماً لم يسم به إنساناً من قبل، إذ قال سبحانه: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا}، وقد حبا الله تعالى هذا الطفل بصفات ومزايا منذ مولده، فبشر أباه بأمور، أولها أنه سبحانه من سماه يحيى، ثم إن الله تعالى جعله {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ}، أي أنه كان مصدقاً لرسالة عيسى عليه السلام، وكان سيداً في العلم والحلم والعبادة، وجعله حصوراً أي معصوماً من الذنوب والآثام، وأعظم من ذلك كله أن الله تعالى أكرمه وشرفه بمقام النبوة فقال {وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ}.

زكريا ويحيى مع الملك

كبر يحيى عليه السلام، وكان ورعاً زاهداً مع كونه عالماً تقياً، حتى قيل إنه كان يأكل أوراق الأشجار كي لا يخالط الناس أو يكون بحاجة إليهم، وكان الناس يستفتونه في أمورهم، ويسمعون منه أحكام الله تعالى، حتى مع وجود أبيه زكريا عليه السلام، فمن ذلك أن الملك في ذلك الزمان عشق ابنة أخيه، وأراد أن يتزوجها، بالرغم من أنه من محارمها، فاستفتى يحيى عليه السلام في أمره، وطلب منه أن يرخص له بهذا الزواج السفاح، وقد كان ذلك الملك معروفاً بكونه طاغية جباراً فاسقاً، وكانت بنت أخيه تعشقه أيضاً، وكانت ذات أخلاق فاسدة، فأرادت أن تتزوجه، وأخذ الملك يتودد بالكلام ليحيى عليه السلام حتى يرخص له في ما يريد، فما كان منه عليه السلام إلا أن جمع الناس، وبين لهم أن زواج الرجل بمحارمه من أشد الفجور، وهو ما أثار غضب الملك الذي توقع أن يحيى عليه السلام جمع الناس ليخبرهم صحة زواجه بابنة أخيه، ووقع في حرج شديد، إذ لو تزوج بها بعد هذه المقولة، سيثور عليه الناس، وسيصبح ذكره على كل لسان.

كما أن ذلك الملك أراد أن يفعل الفاحشة مع ابنة أخيه الفاجرة التي كانت ترقص له وتغني وتحاول إغراءه، لكنها رفضت تمكينه من نفسها إلا بعد أن يتزوجها، فذكر لها ما كان من أمره مع يحيى عليه السلام، وأنه رفض أن يقره على هذه الزيجة، بل جمع الملأ وفضح أمره لكي يقيم عليه الحجة، فقالت تلك المرأة الفاجرة «إذاً فتزوجني، ولا أرضى بمهر غير رأس يحيى عليه السلام»، وأعمت بهذا الطلب بصيرة الملك الذي أمر بقتل يحيى عليه السلام، وأرسل إليه من يحضر رأسه، وهو ما كان حيث ذهبوا إليه عليه السلام، ووجدوه يتعبد في مصلاه، فقتلوه وقطعوا رأسه وأتوا به ليكون مهر تلك الزانية.

قتل زكريا عليه السلام

بعد هذه الجريمة النكراء التي فعلها ذلك الحاكم الفاسد في نبي الله تعالى، خاف من أن يثور زكريا عليه السلام من هذا الفعل، وينتقم لموت ابنه نبي الله يحيى، فما كان منه إلا أن أمر بقتله عليه السلام، مخافة أن يفتن الناس ويقيمهم عليه، فقيل إن زكريا عليه السلام هرب منهم، فأخذوا يقتفون أثره ويحاولون الظفر به، إلى أن نادته شجرة في إحدى الغابات، وطلبت إليه الاختباء في جذعها، فأتاها ودخل، إلا أن طرف ثوبه بقي ظاهراً في الخارج، وجذب أعين المقتفين الذين أتوا بمنشار، وشقوا الشجرة نصفين حتى قتلوه عليه السلام.
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

لوط .. نبيُّ أكثرِ الناسِ فُجوراً

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:33



القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62)، ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف: 101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ). وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111)، فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120) وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

 

قصة سيدنا لوط بن هاران بن تارح عليه السلام، النبي الذي عاش مع قوم عصوا الله تعالى معصية ما سبقهم بها من أحد من العالمين، ولم يؤمن أحد منهم.

لم يكن سيدنا لوط عليه السلام من عائلة عادية، بل كان فيها النبوة، فعمه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام الذي رباه بعد وفاة أبيه، فآمن به وصدقه، وهو كذلك من طلب إليه أن يهاجر إلى قرية كافرة ليس فيها مؤمن، تدعى قرية المؤتفكة، أو «سدوم» وما حولها من القرى في غور الأردن، ليدعوهم إلى الإسلام، ويعرفهم بالله تعالى.

ولما وصل لوط عليه السلام تلك القرية، تعجب من شدة سوء أهلها، فقد كانوا أفجر الناس وأكفرهم، يقطعون الطرق، ويكثرون من فعل السيئات، ولا ينهى بعضهم بعضا عن المعاصي والآثام، ويفعلون المنكرات في نواديهم، كان منها إخراج الريح والأصوات من الدبر والتضاحك من هذا الفعل القبيح، إلى جانب أنهم غرقوا في فعل فاحشة لم تسبق أن فعلتها أمة من قبلهم، وهي انهم كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، ويفعلون اللواط جهاراً أمام الجميع دون استحياء ولا خوف ولا وجل من تلك المعصية القبيحة.

قصة قومه مع اللواط

يذكر أن بلاد قوم لوط كانت خصبة وفيها خير كثير، وكان الناس يأتون إلى ناحيتهم لينالوا شيئا من تلك الثمار وذلك الخير، فكانوا يقطعون الطريق، ويؤذون من يمر باتجاه قريتهم، إلى ان تمثل لهم إبليس اللعين بهيئة شاب، ومر من ناحية ديارهم، فأرادوا أن يؤذوه، فدعاهم إلى الفاحشة معه، ففعلوا حتى ألِفوا هذا الأمر، وأصبحوا يفعلونه بكل من يأتي إلى ناحيتهم، وقيل إن إبليس أعطى لهم هذه الفكرة لينفروا الناس ويمنعوهم من الذهاب ناحية قريتهم، حتى كثر فعلهم له، وصار منتشراً بينهم.

وبعدما وجد سيدنا لوط من هذه الأفعال، أخذ عليه السلام يحاورهم، ويحاول أن يردهم إلى دين الله تعالى، ويبعدهم عن الشذوذ الذي وقعوا فيه، والمعاصي التي استمرؤوها فمارسوها، وراح يخبرهم أن الله تعالى سيعاقبهم إن لم يقلعوا عن ذلك، فجادلوه وأكثروا النقاش معه، ولما يئسوا منه، ولم يفلحوا في رد حججه عليهم، قالوا له {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} ثم قالوا:{أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}، بحكم ان فطرتهم الشاذة كانت تدلهم على أن العفاف والطهارة أمر سيء يستحق فاعله الإخراج والطرد من القرية التي يسكنونها.

وبالرغم من دعوة لوط عليه السلام لهم، إلا ان أحداً منهم لم يؤمن برسالته ، بل زادوا في تماديهم وعصيانهم، حتى يئس عليه السلام من نتائج دعوته لهم، ودعا عليهم بأن يهلكهم الله لما يفعلونه من هذه الجريمة النكراء ، فأهلكهم الله تعالى بأن رماهم بحجارة من السماء - {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} ، و{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} وقال تعالى في موضع آخر أيضا { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} فكان ذلك جزاء الظالمين، لكن لوط عليه السلام دعا بأن ينجو هو وأهله جميعاً، فاستجاب الله لدعائه، وأمر الملائكة أن تهلك قومه، وتذيقهم العذاب.

حضور الملائكة

قبل أن تصل الملائكة التي أرسلها الله تعالى إلى قوم لوط، ذهبت إلى إبراهيم عليه السلام تبشره بالذرية، فأكرمهم إبراهيم عليه السلام، وقدم لهم الطعام، فخاف منهم لأنهم لم يأكلوه، وخشي أنهم يضمرون سوءاً، فطمأنوه، وبينوا له أنهم ملائكة من عند الله تعالى، لا تأكل ولا تشرب، وعاجلوه بالبشرى، ثم أخبروه بأنهم سائرون نحو قوم لوط ليهلكوهم، فخاف إبراهيم عليه السلام على ابن أخيه الذي أرسله لتلك القرية الظالمة، وراح يجادلهم، وقيل إنه سألهم: هل يهلك الله قرية فيها ثلاثمئة من المؤمنين؟ فقالوا : لا، ثم أخذ ينقص العدد ويسألهم إلى أن قال: أتهلك قرية وفيها مؤمن واحد؟ فقالوا لا، فقال لهم حينها إن فيهم لوطاً، فطمأنته الملائكة بأنهم يعلمون من فيها، وأنهم سينجونه وأهله، من العذاب إلا امرأته.

بعد هذه الزيارة توجهت الملائكة إلى ديار قوم لوط على صورة شبان حسان، وكان عليه السلام على اطراف المدينة، وقيل إن ابنته كانت تسقي، فرأتهم، وأخبرت أباها، وسألهم عن مرادهم، فذكروا أنهم عابرو سبيل، وطلبوا إليه أن يستضيفهم عنده، فتحرج عليه السلام أن يرد طلب الضيافة، إلا أنه حاول أن يثنيهم عن الدخول إلى قرى سدوم، ببيان أن هذه القرية قرية سوء وخبث، وكانت هذه شهادة منه عليه السلام للملائكة على قومه، إذ لم يكن الله يعذب قوماً حتى يشهد رسولهم عليهم، وحينما اصرت الملائكة على الدخول إلى القرية، استجاب عليه السلام إلى طلبهم، ودعاهم إلى بيته خلسةً، مخافة أن يراهم القوم، فيظفرون بهم، وقال في نفسه (هذا يوم عصيب) لشدة ما سيجده إن علم أهل القرية بهؤلاء الضيوف.

الملائكة في ضيافة لوط

وصل لوط عليه السلام بصحبة الضيوف إلى البيت، وخبأهم كي لا يحس بهم أحد من أهل القرية، إلا أن امرأته كانت خبيثة، فذهبت إلى قومها وأخبرتهم أن لوطا عليه السلام استضاف شباناً حساناً في بيته لم تر مثل حسنهم قط، فأسرع قومه له مستبشرين فرحين بما سيكون من أمرهم من الفواحش مع هؤلاء الضيوف.

لما وصل قومه إلى بيته، وقرعوا الباب، رفض عليه السلام إدخالهم على ضيوفه، فغضبوا لذلك، وقالوا له : ألم نحذرك من استضافة الرجال في بيتك؟ فقال { لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] أي لو كان لي أهلٌ وقوة أستند إليها، لما استطعتم قول ما ذكرتم، واستغل هذا الحال العصيب بالنصح والدعوة، وذكِّرهم بالطريق الصحيح، والفطرة السليمة في قضاء الشهوة ونيل الوطر، وقال لهم { أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } وعبر عن ذلك بتسمية نسائهم بناتي فقال : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} والمراد بهن بنات القوم؛ لأنه يرى أن كل أنثى من القوم هي بمثابة الابنة له على اعتبار ان النبي كالأب في قومه، ونصحهم بالالتجاء إلى زوجاتهم، فهن الفطرة السليمة في العفاف والإحصان، بمعنى (تزوجوا النساء)، ولم يدعهم إلى الزنا بهن، فحاشاه من ذلك، فهو نبي معصوم لا يدعو إلى الفاحشة.

إصرار القوم وتدخل جبريل

رغم هذا النصح والإرشاد، إلا ان قوم لوط فضلوا مخالفة الفطرة، وسوء الأخلاق على ما فطر الله تعالى الناس عليه، فدخل لوط عليه السلام إلى ضيوفه وهو في حيرة مما سيصنع معهم، وهناك جاءه جبريل عليه السلام يطمئنه ( يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) ثم خرج -جبريل - وضرب أعينهم بجناحه، فرجعوا إلى بيوتهم عمياناً لا يعرفون الطريق وهم يتوعدون بالانتقام مما جرى لهم.

بعد تلك الحادثة في بيته عليه السلام، أمرته الملائكة بالخروج من القرية، هو وكل من آمن بالله تعالى وهما ابنتاه فقط، ولا يلتفت منهم أحد إلى ما سيصيب سدوم من العذاب، وأخبروه أن الله سيكتب لهم النجاة، إلا امرأته التي كانت تعين قومها على الفواحش، كما طلبت إليه الخروج في ليلة اليوم نفسه، لأن العذاب سيصبحهم، وقالوا (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب).

وصول العذاب

 

عندما خرج لوط عليه السلام مع ابنتيه من سدوم، كانت معهم امرأته، فلما سمعت بالعذاب من خلفها، التفتت وقالت، «وا قوماه» فأتتها حجارة من السماء وأهلكتها، ثم رفع جبريل عليه السلام تلك القرى عن الأرض بطرف جناحه، حتى قيل انه ظهر ماء الأرض الأسود، وذُكر أن أهل السماء سمعوا نباح كلابهم وصياح ديوكهم، فأمطر الله عليهم حجارة من الطين، كان كل واحد منها مُقدَّرا ومرسلاً باسم صاحبه، الذي ستسقط عليه، ثم عاجلهم جبريل بصيحة أهلكتهم ودمرت منازلهم، وقلبت تلك القرى رأساً على عقب، وجعل عاليها سافلَها، ثم أُمطرت بحجارة من سجين، ولم يبق أثرٌ بعدها لأي منها.

avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أيوب.. 18 سنة من البلاء

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:36

القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى( نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ) (الأعراف:
 الآية 101). وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120) وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.
 اشتهر سيِّدنا أيوب عليه السلام بصبره على أشكال البلاء، وتحمُّله لأنواع المصائب؛ حتَّى صار قدوةً لجميع الناس في ذلك، يضرَب بصبره المثَلُ عندَ أتباع كلِّ الشرائع السماوية بلا استثناء، وقد ذكَر الله تعالى نبوته وقصته في محكَم كتابه العزيز، وهو ممن اصطفاهم الله تعالى واجتباهم، ومن الأنبياء الذين أُمر رسولُنا الكريم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم باقتفاءِ آثارِهم، واتِّباع منهجهم، والاقتداءِ بهُداهم.
وقد سجَّل لنا القرآن الكريم جانب الصبر على البلاء، واثار ذلك الصبر من حياة سيِّدنا أيوب عليه السلام، ،وسنبقى مع القرآن فيما اختاره من عظة وحِكم.
السرد القرآنيُّ لقصَّة الشِّفاء
ذكر الله تعالى قصَّة معافاة سيِّدنا أيوب مِمَّا حلَّ به من البلاء في موضعَين من كتابه الكريم؛ فقال عزَّ وجلَّ: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83-84]، وقال سبحانه وتعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ. وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 41-44]
تفاصيل القصة
وورَد عن الحسن البصريِّ وعن وهب بن منبِّه، أنَّ سيِّدَنا أيوب عليه السلام، كان ذا ثروةٍ واسعةٍ جدًّا، وكان عندَه من كلِّ أصناف الأموال التي يمتلكها البشر، وأنَّه كان قد رُزق ذريةً كبيرةً من الأبناء، وأنَّه كان جوادًا سخيًّا عابدًا لله تعالى مؤدِّيًا واجباته قائمًا بحقوق الناس، حتَّى بلَغ من رضا الله تعالى عنه أنَّ الملائكةَ كانت تصلَّي عليه في السموات، وأنَّ إبليس سمع صلوات الملائكة، وكان هو وجنوده يقعدون مقاعدَ يستمعون فيها إلى كلام الملأ الأعلى، وأنَّه طَعَن أمامَ الله تعالى في صِدق ديانة سيِّدنا أيوب عليه السلام.
وزَعَم ابليس أنَّ ايوب عليه السلام يعبد الله تعالى بسبب ما أنعم به عليه من الثراءِ الواسع والعافية التامَّة، وأنَّه إن سُلِّط عليه فأَزال عنه هذه النِّعَم فسينحرف عن جادَّة الطاعة إلى هاوية الجحود والعصيان، وقد أَذِن الله تعالى بامتحان سيِّدنا أيوب عليه السلام لِمَا يعلَم من صِدق سريرته، وصفاء تديُّنه ونقاء تعلُّقه بالله تعالى ورسوخ محبَّته له، فجَعَل للشيطان سلطانًا في أذيته عليه السلام في كلِّ ما يزول من متاع الدنيا، دونَ أن يكونَ له سلطانٌ على روحه وقلبه وضميره، ويؤيد هذا قوله عليه السلام، كما قال الله تعالى عنه: {أنِّي مسَّني الشيطان بنُصبٍ وعذاب}.
هجمة الشيطان على ممتلكاته
شن الشيطان هجمتَه الشرسة على ممتلكات سيِّدنا أيوب أوَّلًا، فسلَّط جنودَه وأتباعَه ليحرقوا كلَّ ما يمتلك، وكان يأتيه كلَّ مرَّةٍ بخبر هلاك شيءٍ من ممتلكاته من الأغنام والبقر والإبل والخيل والحمير والمزارع، ويقول له: ما أغنت عنك عبادتك شيئًا؛ هلك كلُّ ما تملك من (كذا)، فيجيبه سيِّدنا أيوب بجواب الصابرين: (إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، لله ما أعطَى، ولله ما أخذ، لا ينبغي أن نفرح حين يعطينا الله من فضله عاريةً، ثمَّ نجزع إن استردَّ منَّا عاريتَه)،..
ولما رأى صبرَه وثباته، جاءَ إلى بيتٍ قد اجتمع فيه كلُّ أولادِه، فزلزله عليهم حتَّى انهار فوقَهم فقتلَهم أجمعين، فجاءَه بخبرهم، فأجابه جوابَه الأوَّل، وسلَّم ورضي بحُكم الله تعالى، فلمَّا رأى ثباتَه؛ تسلَّط على جسدِه، فنَفَخ على جسدِه نفخةً وأَلقى في جَوفِه شيئًا، فأصابه بعلَّةٍ جعَلته يضعف ويهزل وتخور قواه، وبقي سيِّدنا أيوب عليه السلام صابرًا على ما أصابه من بلاءٍ، حامدًا الله تعالى سرًّا وعلانيةً، مواظبًا على تأدية واجبات الطاعةِ والعبادة لمدَّة ثماني عشرةَ سنةً، حتَّى أحسَّ بأنَّ الصالحين من أتباعه قد أساؤوا الظنَّ بالله تعالى بسبب ما يرونه من طُول بلائِه؛ هنالك دعا ربَّه أن يزيل عنه الضرَّ وتسلُّطَ الشيطان،{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
البيان النبويُّ للقصَّة
بيَّن لنا رسولنا الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم جانبًا من قصَّة سيِّدنا أيوب عليه السلام؛ فقال: (إنَّ أيوبَ نبيَّ الله صلَّى الله عليه و سلَّم لبث في بلائه ثماني عشرةَ سنةً، فرَفَضه القريبُ والبعيد، إلَّا رجلَين من إخوانه؛ كانا من أخصِّ إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تَعلَم والله لقد أذنَبَ أيوبُ ذنبًا ما أذنَبَه أحدٌ من العالَمين، قال له صاحبه: وما ذاك ؟ قال : منذ ثماني عشرة سنةً لم يَرحمه الله؛ فيَكشفَ ما به، فلمَّا راحَا إليه، لم يصبر الرجل حتَّى ذكَر ذلك له، فقال أيوب:
لا أدري ما تقولُ، غيرَ أنَّ الله يَعلَم أنِّي كنتُ أمرُّ على الرجلَين يتنازعان، فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفِّر عنهما؛ كراهيةَ أن يُذكَر الله إلَّا في حقٍّ)، قال: (وكان يَخرج إلى حاجته، فإذا قضى حاجته أمسَكَت امرأته بيده حتَّى يَبلُغَ، فلمَّا كان ذاتَ يومٍ، أبطأ عليها، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه: {اركُضْ برِجلِكَ هذا مغتسلٌ بارد وشراب} (ص: 42). فاستبطأته، فبلغته (وفي روايةٍ: فتلقَّته،) فأقبلَ عليها قد أذهب الله ما به من البلاء، فهو أحسنُ ما كان، فلمَّا رأته قالت: أَيْ بارَكَ الله فيكَ، هل رأيت نبيَّ الله هذا المبتلى؟ والله على ذلك ما رأيتُ أحدًا كان أشبهَ به منكَ إذ كان صحيحًا، قال: فإنِّي أنا هو)، قال: (وكان له أَندَران: أَندرُ القَمح، وأَندر الشَّعير، فبعث الله سحابتَين، فلمَّا كانت إحداهما على أندر القَمح، أَفرغَت فيه الذهبَ حتَّى فاض، وأَفرغت الأُخرى على أندر الشَّعير الوَرِق حتَّى فاضَ).
الدروس المستفادة
يتبيَّن من السرد القرآنيِّ في صبر ايوب وشفائه، ورفع البلاء عنه، عدة دروس، منها عداوة إبليس لعباد الله تعالى، وتنصيبه لكل من يطلب وجه الله في عبادته، وقد تعرض رسولنا الكريم لمحاولة من إبليس لإشغاله عن الصلاة، حيث قال لأصحابه ذاتَ يومٍ: (إنَّ عفريتًا من الجنِّ تفلَّتَ عليَّ البارحةَ ليَقطَعَ عليَّ الصلاةَ، فأَمكنني الله منه، فأردتُ أن أربطَه إلى ساريةٍ من سَواري المسجد؛ حتَّى تُصبحوا وتَنظروا إليه كلُّكم، فذكَرتُ دَعوةَ أخي سليمان: ربِّ هب لي ملكًا لا يَنبغي لأحدٍ من بعدي؛ فردَدتُه خاسئًا).
ومن الدروس الاخرى الابتلاءُ قدر الصالحين، فالامتحان من الله تعالى للمسلم ليس انتقاما او تعذيبا بل هو تكفير للذنوب، ورفعٌ للمنزلة، كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَن يُرد الله به خيرًا؛ يُصِب منه)، وسأله سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه: يا رسولَ الله أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: (الأنبياءُ، ثمَّ الصالحون، ثمَّ الأَمثل فالأمثل من الناس، يُبتلى الرجل على حَسب دِينه، فإن كان في دينِه صلابةٌ زِيدَ في بلائِه، وفي روايةٍ: فإن كان دينُه صُلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّة خُفِّف عنه ، وفي روايةٍ: ابتُلي على حَسب دِينه، وما يَزالُ البلاءُ بالعَبد؛ حتَّى يمشي وفي روايةٍ: حتَّى يتركَه يَمشي على وجه الأرض ليس عليه خَطيئةٌ).
وتتصل بالعبر المستفادة كذلك تعويض الابرار، حيث كانت زوجته عليه السلام ممن بر به، ولم تتذمر مع طول مرضه وذهاب ماله ونحول جسده، فأمره الله تعالى أن يأخذ ضِغثًا (وهو الحُزمة من القضبان) فيَضرب بها مَن أقسم أن يضربَه إن عافاه الله تعالى، وقد ذكَر المفسِّرون أنَّ المقصودَ بالضَّرب هي زوجته، والله أعلم.
الفرج بعد الشدة
من دروس القصة أن الفرج يأتي بعد الشدة، فمن صبر على البلاء عوضه الله تعالى بالفرج، وبخير مما يريده العبد، وقد أعاد الله تعالى لنبيه أيوب جميعَ أهلِه وزادَه مثلَهم معهم. و قال غير واحدٍ من أئمَّة العلم إنَّ الله تعالى قد أحيى له أولادَه الذين ماتوا، أمَّا الأموال فقد ورَد أنَّ إمطارَ الذهب قد تكرَّر عليه مرَّةً أُخرى؛ يقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (بينَما أيُّوب يَغتسل عريانًا، فخرَّ عليه جَرَادٌ من ذهبٍ، فجعل أيوب يحتَثي في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيوب ألَم أكن أغنيتُكَ عمَّا ترى؟ قال: بلى وعِزَّتِك، ولكنْ لا غِنى بي عن بركتك).
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شعيب.. جدل الحق وقطاع الطرق

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:39


القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف: ا

لآية 101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120) وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

نعيش معكم اليوم مع قصة خطيب الأنبياء، النبي الكريم شعيب عليه السلام، وهو من الأنبياء القلائل الذين أرسلهم الله تعالى من العرب، إلى جانب كل من هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد صلى الله عليه وسلم. أُرسل شعيب عليه السلام إلى قرية يقال لها مدين، وتقع في أطراف بلاد الشام من ناحية الحجاز، وكانت قرية صغيرة، وأهلها من الضعفاء قليلي الحيلة، فمن الله عليهم بأن كثر عددهم، وراجت وازدهرت تجارتهم، وأجرى الله لهم الخير.

وبالرغم من دعوته عليه السلام لأهل مدين، الا انهم كفروا بنعمة الله، وحادوا عن الصراط المستقيم، فأول ما كان منهم من كفرهم بالله أنهم عبدوا شجرة يقال لها الأيكة، ومع هذا الكفر والشرك بالله تعالى، كانت لهم معصية قيل إنهم ابتدعوها، ولم يسبقهم أحد إلى فعلها، وهي أنهم كانوا قطاع طرق، يعترضون القوافل التي تسير في طريقهم، فيسرقونها أو يأخذون من أصحابها عُشر ما فيها، لكون انها مرت من أرضهم، فيأكلون أموال الناس ظلما.

كما كان أهل مدين يعملون في التجارة والبيع والشراء، وكان تعاملهم في تجارتهم مبنيا على غش الناس، والتطفيف في المكيال، واللعب في الميزان، وسبحان الله كيف قص لنا قصة هذا النبي الكريم مع قومه ليحذر الناس من نماذج من البشر اتخذت هذا الأسلوب في التعامل والتجارة، فتغش وتخدع وتطفف في المكيال، وليتها تعتبر بما كان من حكم الله تعالى في قوم شعيب، وصدق الله تعالى إذا يقول: »لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ«.

الدعوة إلى الله

أخذ شعيب عليه السلام يدعو قومه لعبادة الله تعالى، وينهاهم عن الغش والخداع الذي غرقوا فيه، ويأتيهم بالمعجزات التي تثبت لهم صدق نبوته ودعوته، وقال لهم إني أراكم بخير، أي أن الله تعالى رزقكم من الخير والتجارة الحلال ما يكفيكم عن التعاملات المحرمة والغش والخداع، لكن ضعيف الإيمان أو الذي لا يؤمن يخاف من الفقر، بل من الخسارة، فيلجأ للغش والتعاملات المحرمة، وإلى عدم الصدق في تجارته، وينسى أن الله تعالى هو الرازق والموفق.

وأن خزائن الملك بيده، وأنه مهما عمل بجهده لن ينال خيرا دون توفيق الله تعالى، وأن الإنسان إن استطاع أن يغش ويخدع الناس فذلك ليس ذكاء أو فطنة، وإنما هو ابتلاء واختبار من الله تعالى، ليرى صنيعه لو تمكن من خداع الناس، فإذا فشل في هذا الاختبار أذهب الله عنه البركة، ومحَق ماله، أما إن تعامل بالحلال وعفَّ نفسه عن الحرام، فإن الله تعالى يبارك في هذا المال، وينميه، ويجد الإنسان بركته في نفسه وأهله وصحته ورزقه.

إصرار على الكفر

إن اصرار أهل مدين على كفرهم، جعلهم يكذبون بما جاء به شعيب عليه السلام، وأخذوا يستهزئون به، فقالوا {يا شُعيبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}، فواجهوا دعوته عليه السلام بالتكذيب والاستغراب من الطلب الذي طلبه منهم، إذ تعجبوا من أن يكون الدين هو من يأمرهم بالتوحيد..

وما زاد استغرابهم هو أن يتدخل الدين في أمورهم التجارية، ويمنع عنهم الغش ويضع لهم ضوابط التصرف في الأموال. الغريب في هذا الأمر ان ثمة من ينادي اليوم بفصل الدين عن أمور الحياة، وأنه يعيق التطور والتنمية في المعاملات المالية والتجارة العالمية، ولا يدري هؤلاء بأن الله تعالى الذي خلق الخلق، جعل الدين لتهذيب الأخلاق، وضبط شؤون مسير حياتهم، فهو سبحانه من خلقهم، وهو العالم بما يصلح أمورهم.

سخرية وتشكيك

بعد جولات دعوته ابناء قومه الى الله، وترك الضلال والكفر الذي هم فيه، أخذوا يتهكمون عليه، ويسخرون منه، ويشككون بحقيقة رسالته، بالرغم من انهم كانوا على علم أنه على الحق، وأنهم كلهم على ضلال، فقالوا {إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيد} وهذا دليل على سخريتهم منه عليه السلام، بأنه الوحيد الذي وصل إلى مرحلة الرشد بين اهل مدين..

لكن سخريتهم كانت تقابل بالحجج والبراهين والمعجزات، كيف لا وشعيب عليه السلام خطيب الأنبياء، فلما تعبوا من المجادلة معه، ورأوا أنهم لا يستطيعون إقامة الحجج عليه، انتقلوا إلى مرحلة جديدة من التكذيب بأن أغلقوا عقولهم عن ما يقول لهم نبيهم، وقَالُوا [يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا، وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ، وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ] فأعرضوا عن الهدى، وهددوه بالرجم، لكن ما يثنيهم عن ذلك هو مكانة أهله وعشيرته.

استمرار في الدعوة

وبالرغم من هذا التحكم، والسخرية، والاصرار على التكذيب، والتبخيس من قيمة رسالته عليه السلام، وصدق نواياه في اخراجهم من الضلال والكفر والتيه، الا انه استمر في دعوتهم دون كلل أو ملل أو التفات لما يثيرونه من أباطيل، فلما رأوا منه ذلك قرروا أن يطردوه هو ومن آمن معه فقالوا {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} فقال لهم شعيب {أولو كنا كارهين} أي أننا لن نخرج مكرهين من هذه الأرض..

فكما هي أرضكم هي أرضي وأرض المؤمنين، ودعا على قومه بأن يفصل الله تعالى الحكم بينهم، ويفرق بين المؤمنين والكافرين، فقال عليه السلام {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} وتوعدهم على تكذيبهم وقال {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ، سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ، وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ}.

الاستجابة للدعاء

بعد هذا الدعاء الذي خرج من نبي من أنبياء الله تعالى، جاءت الاستجابة، وبدأ العذاب لقوم مدين، فحبس الله عنهم الرياح سبعة ايام، وازدادت درجة الحرارة، حتى ضج الناس من الطقس، وصاروا يتنفسون الهواء بصعوبة نظرة لقلته، ثم جاء العذاب وعقب تلك الايام السبعة الثقيلة على أهل مدين جاءت الغيوم، وأخذت الظلال تتجه ناحيتهم، ولما وصلتهم توقفت..

وظلت جاثمة في مكانها، فراح القوم يهرعون اليها طلبا للظل، بعد تلك الأيام الصعبة التي قضوها دون ظل أو هواء، وخرج اليها الجميع إلا المؤمنين، وما إن تجمعوا تحت تلك الغيمة، حتى تزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، وسقطوا على الأرض من شدة الزلزال، ثم صاح عليهم جبريل صيحة أهلكتهم جميعا في مكانهم، قال تعالى: {فَكَذّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظّلّةِ إِنّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وقال تعالى {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ لَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}

وبقي قوم مدين على هذه الحال، الى أن مر بهم شعيب عليه السلام راحلا من أرضهم، وكلمهم وهم جثث هامدة، قائلا{يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ}، ثم ذكر أنه عليه السلام انتقل من مدين وسكن مكة، هو ومن معه من المؤمنين، ومات ودفن فيها.

دعوة للتوحيد

 ارسل الله إلى قوم مدين، شعيبا عليه السلام ليدعوهم للتوحيد، وعبادة الله تعالى ولكي يثنيهم عن عبادة الشجرة، وعن الغش والخداع في البيع والشراء، وقطع الطريق على الناس، واتباع الأمانة في التعاملات التجارية، قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا. قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ. وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ. إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ}.

   
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أصحاب السبت.. اللّعنة بعد المعصية

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:42

«قصص من القرآن»، نستعرض وإياكم قصة قوم ابتلاهم الله تعالى بصنف غريب من العذاب والابتلاء، بسبب ذنوبهم وكفرهم بالله تعالى الذي يقول في سورة الأعراف: «وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ».
وقال سبحانه في سورة البقرة: «وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ»، وجاء في سورة النساء: «أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًاً».
في هذه الآيات يذكرُ الله تعالى قوماً من بني إسرائيل، سكنوا إحدى المناطق الساحلية، ولم يبين القرآن الكريم اسم تلك المنطقة أو مكانها، لكن الله يريد منا أن نأخذ العبرة مما حدث معهم، وكان من شريعة بني إسرائيل كما بينا في قصة نبي الله يوشع عليه السلام وغيرها من قصص الأنبياء، أنهم لا يعملون يوم السبت، ولا ينشغلون بأمور الدنيا، وإنما يتفرغون لعبادة الله، فلا عمل فيه سوى التقرب إلى الله بأنواع العبادة المختلفة.
بلاء وابتلاء
ولكثرة ذنوب ومعاصي أهل تلك القرية، أراد الله أن يعاقبهم، ويختبر إيمانهم ببلاء أنزله عليهم، مختلف عن أصناف الابتلاء الأخرى، فلم يُنزل عليهم عذاباً، ولم يأخذهم بصيحة، ولم يزلزل الأرض من تحتهم، ولكنه تعالى حرمهم من صيد البحر وخيره، بأن جعل السمك يأتي للساحل يوم السبت بوفرة، فيراه الناس ويتعجبون من كثرته..
وما إن ينتهي ذلك اليوم حتى تبتعد الأسماك عن الشاطئ بقية أيام الأسبوع، وتختفي عن شباك أهل القرية، ثم تأتي في يوم السبت الذي يليه، حتى انهارت عزائم بني إسرائيل، وأرادوا أن يحتالوا على أمر الله تعالى لهم، بعدم الصيد في ذلك اليوم، فصنعوا الحضائر والحواجز، وجهزوا الشباك في يوم الجمعة، فإذا جاءت الحيتان والأسماك يوم السبت دخلت إليها، وبقيت فيها حتى يأتي يوم الأحد، فيستخرجونها، وهكذا كانوا يحتالون على أمر الله تعالى ويعصونه بالخداع بارتكاب المحرم بطريقة غير مباشرة.
تفرّق وترفُّق
بعد هذه الحادثة، انقسم أهل القرية إلى ثلاث فرق، الأولى عاصية تصطاد بالحيلة وتحث عليها، والثانية لا تعصي الله، وأنكرت ما فعله هؤلاء العصاة، فأخذت تنهرهم عن هذا الفعل، وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وتحذرهم من غضب الله، أما الفرقة الثالثة فكانت لا تعصي الله تعالى، ولكنها اتخذت موقفاً سلبياً تجاه ما فعله العصاة، وسكتت عن المنكر وأهله، فكأن الأمر لا يعنيها..
ولم تنكر ما يُنتهك من أوامر الله، بل إنها لم تكتف بعدم إنكار المنكر بل كانت تتجادل مع الفرقة الناهية عنه، وتثبطها عن النصح والإرشاد، وتقول لها: «ما فائدة نصحكم لهؤلاء العصاة؟ إنهم لن يتوفقوا عن احتيالهم، وسيصيبهم من الله عذاب أليم بسبب أفعالهم. فلا جدوى من تحذيرهم بعدما كتب الله عليهم الهلاك لانتهاكهم حرماته».
وعلى الرغم من هذا التثبيط إلا أن الفرقة الناهية عن المنكر كانت تعرف أن دورها ليس إرغام الناس على اتباع سبل الهداية، وإنما بيان هذا الطريق والنصح إليه، والترغيب فيه، والنهي عن منكرات الأفعال، وسوء الأعمال، فكانوا يجيبون على من يحاول إضعاف عزيمتهم في الدعوة بقولهم: «إننا نقوم بواجبنا في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، لنرضي الله سبحانه وتعالى، ولا تكون علينا حجة يوم القيامة، وربما تفيد هذه الكلمات، فيعود العصاة إلى رشدهم، ويتركون عصيانهم».
إصرار على المنكر
العصاة لم يعودوا عن غيهم، لاسيما مع ما يجدون من صيد وفير، ولا يعلمون أن الله تعالى يقيم الحجة عليهم بهذا الفعل، وأنه سبحانه يمهل الظالم حتى يتوب ويعطيه الفُرصَ الكثيرة إذا عصى، علّه يرجع إليه، فيغفر له، ويكفر عنه، فتجاهلوا ذلك كله، وأخذوا يتمادون في العصيان والآثام.
وبينما استكبر العصاة وأمعنوا في منكراتهم، ولم تجد كلمات المؤمنين نفعاً معهم، جاء أمر الله، وأذِن بتسليط العذاب عليهم، فحل بهم عذاب غريب على النفوس، أغرب من الابتلاء والعقاب الأول وهو الحرمان من الأسماك، إذ مسخهم الله، وغير أشكالهم من إنسٍ إلى حيوانات..
وذكر العلماء أن هذا العذاب جعل منهم قردة ولكن غير متناسلين، فبعد زمن هلكوا، ولم يبق أحد من ذريتهم، فلا يوجد في عصرنا الحالي من القردة من كان من نسل هؤلاء العصاة الذين حولهم الله تعالى إلى قردة عقاباً لهم على فسقهم.
نجاة المؤمنين
أما المؤمنون الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فلم يمسهم أذى، لأن الله تعالى لا يظلم الناس، بل يجازيهم على أعمالهم ولا تزر وازرة عنده سبحانه وزر أخرى، فعذّب الله العصاة وأنجى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وبشأن الفرقة الثالثة، التي لم تعص الله، لكنها لم تنه عن المكر.
فقد سكت النصّ القرآني عنها، ولم يذكر لنا أكانت مع الناجين أم مع القوم المعذبين، يقول أحد العلماء: «ربما تهويناً لشأنها - وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب- إذ إنها قعدت عن الإنكار الإيجابي، ووقفت عند حدود الإنكار السلبي. فاستحقت الإهمال وإن لم تستحق العذاب»، أي المقصود أنه قد يكون الله تعالى لم يذكرهم لتقليل شأنهم، حيث كان دورهم سلبياً، فكانوا أقل من أن يذكرهم الله تعالى، أو يبين شأنهم.
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

إسحاق.. هدية إبراهيم على كِبَر

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:44

القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف: 101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120) وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.
في «قصة نبي» لهذا اليوم، نتكلم عن رسول كريم من سلالة نبي، وأب لنبي، وجد لنبي، ومن سلالته أرسل الله تعالى إلى البشرية أنبياء، إنه نبي الله إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام.
تبدأ قصة النبي اسحاق ببشرى من الله تعالى لإبراهيم عليه السلام، الذي بلغه الكبر، وكانت امرأته «سارة» عجوزاً، انقطع عنها الولد لكبر سنها، فأرسل الله تعالى له ملائكة بصورة آدميين مسافرين، كانوا في طريقهم إلى قرى لوط عليه السلام ليقيموا الحجة على أهلها، فلما مروا بإبراهيم عليه السلام طلبوا إليه أن يستضيفهم في بيته، ففعل عليه السلام، إذ كان معروفا بالكرم وحسن استقبال الضيف، وجاء لهم بعجل حنيذ «مشوي»، فلما قدمه إليهم، لم يأكلوا، ولم تمتد أياديهم اليه، كون ان الملائكة لا تأكل ولا تشرب، فدخل الخوف إلى قلبه عليه السلام، وخشي أنهم لم يأكلوا من الطعام لأنهم يضمرون السوء له، فطمأنوه- أي الملائكة- بأنهم رسل من الله تعالى، ثم بشروه بميلاد إسحاق عليه السلام.
وعقِب هذه البشرى تعجب إبراهيم عليه السلام من أن يولد له ولد وقد بلغ من الكبر عتيا، ثم إن امرأته سارة عاقر، لكن إرادة الله تعالى فوق كل إرادة، وكرمه فوق أي كرم، ويكفيه في ذلك أن يتوكل الإنسان عليه، ويسأله تعالى دونما جزع أو يأس من جوده، يقول الله تعالى في شأن هذه الحادثة: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ، قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ، قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ}.
أما امرأته عليه السلام، فقد كانت تسمع ما يدور من الحديث بين زوجها وهؤلاء الضيوف، وبلغ منها العجب مبلغا، إذ كيف تلد وهي عجوز، وكيف لبعلها ذلك وهو شيخ كبير، يقول جل في علاه في محكم تنزيله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ، فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ ألا تَأْكُلُونَ، فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّروهُ بِغُلامٍ عَلِيم، فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ، قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}.
بشرى مباركة
من تمام كرم الله تعالى، أنه لم يبشره بأي غلام، بل بشره بنبيٍ صالحٍ مباركٍ عليه، فهكذا يجود الله تعالى على أنبيائه وأصفيائه، فيختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، قال الله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ}.
وقيل إن سيدنا اسحاق عليه السلام ولد ولأبيه مئة سنة، بعد أخيه إسماعيل بأربع عشرة سنة، وكان عمر أمه سارة حين بُشِّرتْ به تسعين سنة، فيما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن سلسة ذرية إبراهيم وإسحاق «سلسلة كرام»، إذ حوت أنبياء الله تعالى يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام، فقد جاء في حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ الكَرِيمَ بْنَ الكَرِيمِ بْنِ الكَرِيمِ بْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنَ إِسْحَق بْنِ إِبْرَاهِيمَ».
وذُكر أن إسحاق عليه السلام لما أكمل الأربعين سنة من عمره تزوج، فأنجبت له امرأته توأما، هما يعقوب عليه السلام الذي يسمى بإسرائيل، وهو من ينتسب إليه بنو إسرائيل وبني بيت المقدس، ومن ذريته تناسل الأنبياء، فكان ممن ولد له يوسف عليه السلام، ومن ذريته أرسل الله تعالى الأنبياء موسى وهارون عليهما السلام، اما الولد الثاني فهو عيصو، وقيل إنه والد الروم.
ومما قيل، أن إسحاق عليه السلام كان يميل قلبه إلى حب عيصو أكثر من غيره، وكان عليه السلام يحب لحم الصيد، وحدث أن طلبه مرة، فذهب عيصو ليأتي له به، فسبقه يعقوب عليه السلام، وجاء له بذلك اللحم، فدعا له بالبركة والذرية، ولما جاء عيصو وعرف ذلك، نزغ الشيطان بينه وبين يعقوب عليه السلام، وغضب من ذلك، وتفاقم الأمر إلى أن وصل إلى تهديده بالقتل، فخاف يعقوب عليه السلام من أن يبطش به أخوه، وترك البلاد وهاجر منها لسنوات طوال كثرت فيها أمواله، وزاد عياله، بعدها أراد أن يصلح ما بينه وبين أخيه، فأهدى إليه خيرا كثيرا من الإبل والمال ما يطيب بها خاطره، فرضي عيصو وطابت نفسه على أخيه، ورجع يعقوب عليه السلام إلى أبيه وأخيه ليعيش معهما، وذكر أنه لما كبر إسحاق عليه السلام، أصابه المرض ومات عن مئة وثمانين عاما، ودفنه ابناه.
وتذكر الإسرائيليات أن «ذبيح» سيدنا ابراهيم عليه السلام هو إسحاق عليه السلام، وليس اسماعيل، وهذا خطأ كبير، لأن الملائكة عندما بشرت إبراهيم عليه السلام بإسحاق، بشرته بيعقوب من بعده، ولو كان هو الذبيح كما يقولون لعارض ذلك البشارة التي بشر بها، ولكان هناك تضارب في كلام الله ووعده، تعالى الله عن ذلك.
دروس وعبر
ومن قصة هذا النبي الكريم نتعلم الدروس والعبر، لأن حياته منذ مولده إلى وفاته فيها من العبرة والعظة ما فيها، ومنها:
شرف سلسلة نسل إسحاق عليه السلام، فمن سلالته يوسف عليه السلام الذي أوتي شطر الحسن، والناس يدخلون الجنة على صورته، كما أن الله تعالى يمن على العباد الصالحين، فكما منَّ على زكريا بنبي الله يحيى بعد أن بلغه الكبر، منَّ على إبراهيم بإسحاق نبيا من الصالحين، بل زاد على ذلك بأن بشره بحفيد نبي وهو يعقوب عليه السلام. إن خير ما يخلف الإنسان على نفسه وأهله الذرية الصالحة، وفي ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).
إن ما يذكر في الإسرائيليات من كون إسحاق الذبيح هو أمر خاطئ، فالذبيح هو إسماعيل عليه السلام ابن إبراهيم عليه السلام من زوجته هاجر، أما إسحاق عليه السلام فهو أصغر منه ومن زوجته سارة.
إن ما يذكر من سيرة الأنبياء مما يذكر في الإسرائيليات ينبغي للإنسان أن يحذر في التعامل معه، فقد يؤخذ بعض منها للاستئناس بما لا يخالف ديننا الإسلامي، ولكن لا يجوز الاعتماد عليه كمسلمات في معرفة سيرهم، إذ إن في الكثير منها تقوّلا على الأنبياء، أو ذكرهم بسوء، أو مغالطات عليهم أو انتقاص بهم، لذلك وجه النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأخذها الإنسان دون تصديق مطلق، والمنهج النبوي في الإسرائيليات بأننا لا نصدقها ولا نكذبها.
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

محمد.. دعوة إبراهيم وبشرى عيسى 1ـ 3

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:48


المصدر:

    بقلم: د.عمر شاكر الكبيسي

التاريخ: 20 يوليو 2014


كانت النبوة محصورة في بني إسرائيل، وكان آخر من بعث منهم سيدنا عيسى عليه السلام، فيما الجزيرة العربية خالية من أي نبوة، وقد كان لوجود البيت العتيق أثر كبير، إذ توجه سيدنا إبراهيم إلى ربه سائلاً إياه أن يهب أهل تلك البلدة نبياً منهم، فقال{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. (البقرة: 127ـ 128ـ 129).

وقد بشر سيدنا عيسى عليه السلام بدعوة ابراهيم المستجابة فقال:{وَإِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ}، وكان بنوا اسرائيل يترقبون ولادة نبي موعود في هذه الفترة، ورجاؤهم ان يكون منهم، لكن رجاءهم انقطع بما بدأ من انتقال علامات النبوة الى الجزيرة العربية، وكانت دلائل النبوة شاهدة بطهور ما يقرؤونه من نبوءات، لكنهم جحدوا ما عرفوا قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة:89).

بين يدي النبوة

اعتمدت الجزيرة العربية في عيشها على ما تجنيه من تجارة القبائل الوافدة للحج والطواف وترويج الاصنام، وكانت لها قوافل في الصيف والشتاء، الا ان ذلك لم يمنع تلك القبائل من التنافس والتقاتل، خصوصا وان الجزيرة كانت تموج بالظلم ويعتريها الخراب الفكري، وامتهان الانسانية باستعباد البشر، وسيطرة القوي على الضعيف، واستمراء المرأة بقتلها حية، وقد تسلل الشرك الى الجزيرة، .

والذبح لغير الله، والميسر والقمار، وانتقلت تلك العادات عن طريق اسفار بعض رجالات قريش، فعن عبد اللّهِ بن مَسعُودٍ عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أوَّلَ من سيَّبَ السّوَائِبَ وعَبَدَ الأَصنَامَ أبو خُزاعَةَ عَمرُو بن عامِرٍ وأني رَأَيتُهُ يجُرُّ أَمعَاءَهُ في النّارِ) مسند الامام احمد)، كل هذه الاحداث استدعت التجديد على يد النبوة، فكان الصبح الجديد والأمل الباقي بولادة النبي صلى الله عليه وسلم.

إرهاصات البعثة

ولد صلى الله عليه وسلم عام الفيل في الثاني عشر من شهر ربيعٍ الأول الموافق للحادي والسبعين بعد الخمسمائة للميلاد، ولم تكن طفولته صلى الله عليه وسلم مكفولة بمشاهدة الوالدين، فقد توفي والده وهو في بطن امه، وماتت امه آمنة بنت وهب وهو في السادسة من عمره، فكفله جده عبدالمطلب، وأرضعته أمه ثلاثة أيام ثم عهد جده بإرضاعه إلى امرأة يقال لها حليمة السعدية، وكان من عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم في البوادي؛ يتلمسون من خلال ذلك النشأة السوية والفصاحة في اللسان والصحة في البدن واكتساب الاصيل من الطبع العربي.

وقد صاحبت ولادته بعض المعجزات التي تبين استقبال الكون واحتفاءه برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى ابن هشام في السيرة النبوية، قَالَ : لَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم قَدِمَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ يَلْتَمِسْنَ الرُّضَعَاءَ بِمَكَّةَ، قَالَتْ حَلِيمَةُ: فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ فَمَا بَقِيَ مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم ، فَقُلْنَا: إنَّهُ يَتِيمٌ، وَإِنَمَا يُكْرِمُ الظِّئْرُ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهَا الْوَالِدُ، فَقُلْنَا: مَا عَسَى أَنْ تَفْعَلَ بِنَا أُمُّهُ، أَوْ عَمُّهُ، أَوْ جَدُّهُ، فَكُلُّ صَوَاحِبِي أَخَذَ رَضِيعا، وَمَا أَجِدُ شَيْئا، فَلَّمَا لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ رَجَعْتُ إِلَيْهِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: وَاللهِ لَآخُذَنَّ هَذَا الْيَتِيمَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَنَا بِهِ، قَالَتْ : فَأَخَذْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّحْلَ، فَوَ اللهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ أَتَيْتُ بِهِ الرَّحْلَ فَأَمْسَيْتُ، أَقْبَلَ ثَدْيَايَ بِاللَّبَنِ حَتَّى أَرْوَيْتُهُ، وَأَرْوَيْتُ أَخَاهُ، فَقَامَ أَبُوهُ إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ يَلْتَمِسُهَا، فَإِذَا هِيَ حَافِلٌ فَحَلَبَهَا فَأَرْوَانِي وَرُوِيَ، فَقَالَ : يَا حَلِيمَةُ، تَعْلَمِينَ وَاللهِ لَقَدْ أَصَبْنَا نَسَمَةً مُبَارَكَةً، وَلَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ عَلَيْهَا مَا لَمْ نَتَمَنَّ، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ شِبَاعا، وَكُنَا لاَ نَنَامُ لَيْلَنَا مَعَ صِبْيَتِنَا ثُمَّ رَاجِعِينَ إِلَى بِلاَدِنَا أَنَا وَصَوَاحِبِي، فَرَكِبْتُ أَتَانِيَ الْحَمْرَاءَ، فَحَمَلْتُهُ مَعِي، فَوَ الَّذِي نَفْسُ حَلِيمَةَ بِيَدِهِ، لَقَطَعْتُ بِالرَّكْبِ حَتَّى إِنَّ النِّسْوَةَ لَيَقُلْنَ: أَمْسِكِي عَلَيْنَا، أَهَذِهِ أَتَانُكِ الَّتِي حَرَصْتِ عَلَيْهَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالُوا: إِنَّهَا كَانَتْ أُدْمَتْ حِينَ أَقْبَلْنَا، فَمَا شَأْنُهَا؟

قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَقَدْ حَمَلْتُ عَلَيْهَا غُلاَما مُبَارَكا، قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فَمَا زَالَ يَزِيدُنَا اللَّهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَيْرا حَتَّى قَدِمْنَا وَالْبِلاَدُ سَنَةً، فَلَقَدْ كَانَ رُعَاتُنَا يَسْرَحُوُنَ، ثُمَّ يُرِيحُونَ، فَتَرُوحُ أَغْنَامُ بَنِي سَعْدٍ جِيَاعا، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعا بِطَانا حُفْلا، فَنَحْلِبُ، وَنَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: مَا شَأْنُ غَنَمِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَغَنَمِ حَلِيمَةَ تَرُوحُ شِبَاعا حُفْلاً، وَتَرُوحُ غَنَمُكُمْ جِيَاعا، وَيْلَكُمُ اسْرَحُوا حَيْثُ تَسْرَحُ رِعَاؤُهُمْ، فَيَسْرَحُونَ مَعَهُمْ فَمَا تَرُوحُ إِلاَّ جِيَاعا كَمَا كَانَتْ، وَتَرْجِعُ غَنَمِي كَمَا كَانَتْ، قَالَتْ: وَكَانَ يَشِبُّ شَبَابا مَا يُشْبِهُ أَحَدا مِنَ الْغِلْمَانِ، يَشِبُّ فِي الْيَومِ شِبَّانَ الْغُلاَمِ فِي الشّهْرِ، وَيَشِبُّ فِي الشَّهْرِ شِبَّانَ السَّنَةِ، فَلَمَّا اسْتَكْمَلَ سَنَتَينِ قَدِمْنَا مَكَّةَ أَنَا وَأَبُوهُ فَقُلْنَا: وَاللهِ لاَ نُفَارِقُهُ أَبَداً.

وبعد سنتين عادت به حليمة إلى أمه، وعمره آنذاك أربع سنوات، فحضنته أمه إلى أن توفيت، وكان له من العمر ست سنين، فكفله جده عبدالمطلب سنتين ثم توفي، فأوصى به إلى ابنه أبا طالب عم النبي - صلى اللهعليه وسلم - فحاطه بعنايته كما يحوط أهله وولده.

محمد في قومه

كان عليه الصلاة والسلام ذا مكانة في قومه، لما عرف عنه من الصدق والأمانة، حتى لقب بالصادق الأمين، وبرزت له بعض الانشطة الانسانية والاصلاحية، فقد اشترك بحلف الفضول وهو حلف تداعت إليه قبائل من قريش، فاجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان التيمي لسنه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه.

وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت (سنن البيهقي الكبرى).

ومن أنشطته عليه وسلم الإصلاحية في قومه ما كان من شأن بناء البيت، ورفع الحجر الاسود الذي تنافست على رفعه كل القبائل، واشهروا السيوف للقتال، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد، فارتضوه.

وشاء الله أن يكون ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين رضيناه، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، طلب رداء، فوضع الحجر وسطه، وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعاً بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه، وكان هذا حلاً حصيفاً رضي به القوم.

وكذا كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وسنتعرف إلى محطات مهمة من حياته في الجزء التالي بإذن الله تعالى.


avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

محمد.. دعوة إبراهيم وبشرى عيسى 2 ـ 3

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:49

تبين لنا من الجزء الأول من قصة خاتم النبيين والمرسلين، أنه صلى الله عليه وسلم كان شاباً فاعلاً في مجتمعه، وعاملاً لم يخلف إرثاً، فقد اشتغل في رعي الغنم، وشارك في بعض الرحلات التجارية مع عمه إلى الشام، ولأمانته وصدقه، فطِنت إليه سيدة من سيدات قريش وهي خديجة رضي الله عنها، فأرسلت إليه مع احد الغلمان أموالاً ليتجر بها، فانبهر ذلك الغلام بأخلاقه عليه الصلاة والسلام، وسرعان ما نقل مشاهداته تلك إلى سيدته، فعرفت أنها وجدت ضالتها المنشودة، وتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منية التي ذهبت إليه صلى الله عليه وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضي بذلك.
ملامح النبوة
وفق صلوات الله عليه بخديجة زوجةً ونسباً وعفةً وأصلاً وشرفاً، فكان ذلك مصدر استقرار له، فبدا يميل إلى التأمل والتعبد، واختار لذلك مأوى يبعد عن قريش وصخب العيش، وهو غار حراء إلى أن جاءه الوحي، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها (جاءَهُ الْملَكُ فقال اقْرأْ قال ما أنا بِقارِئٍ قال فأَخَذَنِي فغَطَّنِي حتى بلَغَ منِّي الْجهْدَ ثمَّ أرْسَلَنِي فقال اقْرأْ قلت ما أنا بِقارِئٍ فأَخَذَنِي فغَطَّنِي الثّانِيَةَ حتى بلَغَ منِّي الْجهْدَ ثمَّ أرْسَلَنِي فقال اقْرأْ فقلت ما أنا بِقارِئٍ فأَخَذَنِي فغَطَّنِي الثّالِثَةَ ثمَّ أرْسَلَنِي فقال اقْرأْ باسْمِ ربِّكَ الذي خلَقَ خلَقَ الْإِنْسانَ من علَقٍ اقْرأْ ورَبُّكَ الْأكْرَمُ)، فرَجَعَ بها رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجفُ فؤَادُهُ ودخل على خَديجَةَ، فقال زَمِّلونِي زَمِّلونِي فَزَمَّلوهُ حتى ذهَبَ عنه الرَّوعُ، فقال لخَدِيجَةَ وَأَخبَرَهَا.
هنا تبرز مكانة الزوجة الصالحة، فقد وقفت إلى جواره تسانده وتبين له الحق والتأييد بالتمكين من الله، فقالت لزوجها: كلَّا والله ما يخْزِيكَ الله أبَدًا إنَّكَ لَتَصلُ الرَّحمَ وَتَحْملُ الكَلَّ وَتَكْسبُ الْمَعْدومَ وَتَقْري الضَّيفَ وَتعِينُ على نَوَائبِ الحَقِّ فَانطَلَقَتْ بهِ خَديجَةُ حتى أتَتْ بهِ ورَقَةَ بن نَوفَلِ بن أسَدِ بن عبد الْعزَّى بن عمِّ خَديجَةَ وكان امْرءاً تنَصَّرَ في الْجَاهلِيَّةِ وكان يكْتُبُ الْكتَابَ الْعبْرَانِيَّ فيَكْتُبُ من الْإنْجِيلِ بالْعِبْرَانِيَّةِ ما شاءَ الله أنْ يكْتُبَ وكان شيْخًا كَبيرًا قد عَميَ فقالت له خَديجَةُ يا بن عمِّ اسْمعْ من ابن أَخيكَ فقال له ورَقَةُ يا بن أَخي ماذَا ترَى فأَخْبَرَهُ رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم خبَرَ ما رأَى فقال له ورَقَةُ هذا النّامُوسُ الذي نزَّلَ الله على مُوسى يا لَيْتَني فيها جذع لَيْتَني أكُونُ حيًّا إذْ يُخْرجُكَ قوْمُكَ فقال رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم أو مخرجي همْ قال نعم لم يأْتِ رجُلٌ قطُّ بمِثْلِ ما جئْتَ بهِ إلا عُوديَ وَإنْ يُدْركْنِي يوْمُكَ أنْصُرْكَ نصْرًا مُؤزَّرًا ثمَّ لم ينْشَبْ ورَقَةُ أنْ تُوُفّيَ وفَتَرَ الْوحْيُ.
التبليغ والمواجهة
بعد أن تلقى رسول الله أمر النبوة، باشر بتبليغ من يعرف من الناس سراً، فأسلم معه بضعة من الرجال من صفوة الصحابة، وسرعان ما تكاثر عددهم حتى أمره الله أن يَصدَعَ بالدعوة، فبدأ بأهله وعشيرته، ثم انفجرت مكة بمشاعر الغضب، وماجت بالغرابة والاستنكار، حين سمعت صوتا يجهر بتضليل المشركين وعبَّاد الأصنام.
وقامت قريش تستعد لحسم هذه الحرب المفاجئة، ويخشى أن تأتي على موروثاتها، فحض بعضهم بعضا على حربه ومقاطعته، ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب، فقالوا له: إن لك سنَّا وشرفا ومنزلة فينا، وإنَّا قد طلبنا منك أن تنهى ابن أخيك، فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا، وإن لم تنهه فسننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين.
بعد هذا التهديد، انصرفوا، وعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بأن يخذل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، فأبقِ علي وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أطيق، فظن عليه الصلاة والسلام أن عمه خاذله، وأنه ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال له:
يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك فيه ما تركته، ثم استعبر صلى الله عليه وسلم، أي حصلت له العبرة التي هي دمع العين، فبكى، ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، وقال: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه، فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو الله لا أسلمك.
غياب السند
في خضم تلك الأحداث، يفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم سندين كانا له رداً عن خصومه، زوجته الوفية خديجة، وعمه، حصنه الحصين من اذى قريش، فشق ذلك عليه حتى سمي ذلك العام بعام الحزن، وبدأت قريش تمتد بالتطاول على رسول الله وأصحابه، فقرر ترك مكة والذهاب إلى الطائف لعله يجد فيها من التأييد والنصرة، فدعاهم إلى الإيمان وسألهم أن ينصروه على قومه، لكنهم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم ليسبوه، ويضحكوا عليه، حتى اجتمع عليه الناس، فدعا بالدعاء المشهور قائلا:
«اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى عبد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك».
التأييد الإلهي
لما دعا عليه الصلاة والسلام بذلك الدعاء، جاءه النصر من الله بدعوته إلى السماء في رحلتي الإسراء والمعراج، قال صلى الله عليه وسلم: «بيْنَما أنا عنْدَ الْبيْتِ بين النَّائمِ والْيَقْظَانِ إذْ سمعت قَائلًا يقول أحَدُ الثّلَاثَةِ بين الرّجُلَيْنِ فَأُتيتُ فَانْطُلقَ بي فَأُتيتُ بطَسْتٍ من ذهَبٍ فيها من ماءِ زمْزَمَ فَشُرحَ صَدْري إلى كذا وكذا، قال قتَادَةُ فقلت للَّذِي مَعي ما يعني قال إلى أسْفَلِ بَطْنهِ فَاسْتُخْرجَ قَلْبي فَغُسلَ بمَاءِ زمْزَمَ ثمَّ أُعيدَ مكَانَهُ ثمَّ حُشيَ إيمَانًا وَحكْمَةً ثمَّ أُتيتُ بدَابَّةٍ أبْيَضَ يُقالُ له الْبُراقُ فوْقَ الْحمَارِ ودُونَ الْبغْلِ يقَعُ خطْوُهُ عنْدَ أقْصَى طَرْفهِ فَحُملْتُ عليه ثمَّ انْطلَقْنَا».
فقه الدولة
أرسى عليه الصلاة والسلام معالم الدعوة بين الناس، ولأن المجتمع المكي قائم بذاته، فقد قرر وبأمر من ربه أن يترك القوم، ويتجه إلى المدينة، ورحبت به قبائل العرب من الأوس والخزرج، فكانت الهجرة في اسلوبها حدثاً مهماً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إلى يوم القيامة، ويحكي الصِّدِّيق هذا الحدث فيقول:
(ارتَحَلْنَا من مكَّةَ فَأَحيَيْنَا أو سَرَينَا لَيلَتَنَا وَيَومَنَا حتى أَظهَرْنَا وقَامَ قائِمُ الظّهِيرَةِ فَرَمَيتُ بِبصَرِي هل أرَى من ظلٍّ فآوِيَ إليه فإذا صَخرَةٌ أَتَيتُهَا فنَظَرْتُ بقِيَّةَ ظلٍّ لها فسَوَّيْتُهُ ثمَّ فرَشْتُ لِلنّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فيه ثمَّ قلت له اضْطجِعْ يا نبِيَّ اللّهِ فاضْطَجَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ثمَّ انْطلَقْتُ أنْظُرُ ما حوْلِي هل أرَى من الطّلَبِ أحَدًا فإذا أنا بِراعِي غنَمٍ يسُوقُ غنَمَهُ إلى الصّخْرَةِ يرِيدُ منها الذي أرَدْنَا فسَأَلْتُهُ فقلت له لِمنْ أنت يا غُلامُ قال لِرجُلٍ من قُريْشٍ سمَّاهُ فعَرَفْتُهُ فقلت هل في غنَمِكَ من لبَنٍ قال نعم قلت فهَلْ أنت حالِبٌ لبنا لنا قال نعم فأَمَرْتُهُ فاعْتَقَلَ شاةً من غنَمِهِ ثمَّ أمَرْتُهُ أنْ ينْفُضَ ضرْعَهَا من الْغُبارِ ثمَّ أمَرْتُهُ أنْ ينْفُضَ كفَّيْهِ فقال هكذا ضرَبَ إِحْدى كفَّيْهِ بِالْأُخْرى فحَلَبَ لي كُثْبةً من لبَنٍ.
وقد جعَلْتُ لِرسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إِداوَةً على فمِهَا خِرْقةٌ فصَبَبْتُ على اللّبَنِ حتى برَدَ أسْفَلُهُ فانْطَلَقْتُ بهِ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَوَافَقْتهُ قد استَيْقَظَ فقلت اشرَبْ يا رَسولَ اللّهِ فَشَربَ حتى رَضيتُ ثمَّ قلت قد آنَ الرَّحيلُ يا رَسولَ اللّهِ قال بلَى فَارتَحَلْنَا وَالقَوْمُ يَطْلبُونَنَا فلم يدْرِكْنَا أحَدٌ منهم غَيرُ سرَاقَةَ بن مَالكِ بن جعْشُمٍ على فرَسٍ له فقلت هذا الطّلَبُ قد لَحقَنَا يا رَسولَ اللّهِ فقال (لا تَحزَنْ إنَّ اللّهَ معَنَا).
ومع وصول النبي محمد إلى المدينة ابتدأت صفحة جديدة من صفحات المجد النبوي لسيرته وهو يبني دولته ويؤسس لها، وهذا ما سنتعرف إليه في الجزء الأخير غداً بإذن الله.
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

محمد.. دعوة إبراهيم وبشرى عيسى 3-3

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:52

القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف: 101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120) وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.
ما إن علم الأوس والخزرج بنبوءات اليهود عن قرب موعد مجيء النبي الخاتم، ولاحت لهم بشائره، قال قائلهم: »هذا هو النبي الذي تحدثكم عنه اليهود، فلا يسبقونكم إليه، وآمنوا به صلى الله عليه وسلم، ولما سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ مَكَّةَ، كَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ، يَنْتَظِرُونَ حَتَّى يُؤْذِيَهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا، ولَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ حصن- لأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ مُبَيَّضِينَ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ نَفْسَهُ أَنْ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ هَذَا صَاحِبُكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى سِلاَحِهِمْ، وَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَقَوْهُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ لِهِلاَلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ«.
عند ذلك قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَذَكَّرَ النَّاسَ، وَجَلَسَ صلى اللَّهِ عليه وسلم صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ رآه يَحْسِبُهُ أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى إِذَا أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَظَلَّ عَلَيه بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ محمداً عليه الصلاة والسلام (دلائل النبوة للبيهقي).
تأسيس الدولة
انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من فقه الدعوة في مكة، إلى فقه الدولة في المدينة، فكان لابد من تأسيس بعض الأعمال التي تقوم عليها تلك الدولة، ولعل أبرز تلك الأعمال ما يأتي:
بناء المسجد: إذ كان لابد للمسلمين من بناء مسجد ليجمعهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لإقامة الشعائر، وتعلُّم أحكام الشرع، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ نَزَلَ فِي عُلْوِها فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَام فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.. وكَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ، ثُمَّ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإِ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤُوا، فَقَالَ : يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: لاَ، وَاللَّهِ لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ ، مَا هُوَ إِلاَّ إِلَى اللهِ - قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَحَرْثٌ - فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالْحَرْثِ فَسُوِّيَ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَتْ، فَوَضَعُوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً، قَالَ: فَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ ذَلِكَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةْ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةْ.
المؤاخاة: حيث كان المجتمع المدني خليطاً من القبائل التي تسكن يثرب من الأوس والخزرج واليهود، وغيرهم من قبائل العرب، ثم لحق بهم المهاجرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أبرز التحديات التي واجهها عليه الصلاة والسلام في المدينة، هو الصراع القبلي بين الأوس والخزرج، فعمد إلى تأصيل مبدأ الإخاء القائم على المحبة والتعاضد، فآخى بين الأوس والخزرج وسماهم الأنصار، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار فَقَالَ -فِيمَا بَلَغَنَا، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ: تآخَوْا فِي اللَّهِ أخَوَيْن أخَوَيْن ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: هَذَا أَخِي. (السيرة النبوية لابن هشام).
الدستور القانوني: ففي الإطار التنظيمي لأية دولة لابد من تنظيم العلاقات بين أبنائها، ورعاياها، والمجتمع المدني مجتمع متعدد التوجهات، فيه من أهل الكتاب، واليهود والنصارى، ولأجل ضبط سياق التعامل بين عموم الناس، وضع النبي صلى الله عليه وسلم وثيقة تنظم العلاقات بين المسلمين وغيرهم، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ، وأقرَّهم عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَشَرَطَ لَهُمْ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ: وكان منه (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَلَحِقَ بِهِمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ، إنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ.
تحديات المدينة
لم يرُق وجود النبي صلى الله عليه وسلم لبعض زعامات القبائل من أهل المدينة وغيرهم، فبرزت على الصعيد الداخلي مظاهر النفاق التي تولى كِبَرها عبدالله بن أبي بن سلول الذي كان على وشك أن يكون ملكاً للعرب، لكن مع مجيء رسول الله فاته ذلك المُلك، فأضمر ذلك في قلبه، وصار يوالي المسلمين في ظاهره، ويناصبهم العداء والكفر في باطنه، يقول تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة: 8/10).
كما واجه النبي صلى الله عليه وسلم عداءً من اليهود في المدينة، له ولدعوته، فناصبوا له العداء، وألبوا عليه، ونقضوا ما كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من عهود واتفاقات، وحاولوا الغدر به عليه الصلاة والسلام في أكثر من واقعة، لولا عناية الله تعالى، مما ترتب عليه إجلاؤهم من المدينة.
أما على الصعيد الخارجي، فكانت قريش دؤوبة في محاربته عليه الصلاة والسلام، فسلبت أموال المسلمين في مكة، وعذبت أهاليهم، مما حدا به أن يحاول استرداد بعض ما سلبوه، بالتعرض لقوافلهم، فكانت معركة بدر التي انتصر فيها المسلمون، وأوقعوا هزيمة نكراء بالمشركين، جعلت الناس من حولهم يعيدون حساباتهم في ما جرى، إلا أن المشركين في مكة لم تهدأ لهم بال حتى جيَّش لهم أبو سفيان، والتقاهم في معركة أخرى كان النصر فيها للمسلمين لولا مخالفتهم أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، وفطنة خالد بن الوليد الذي حول النصر إلى هزيمة، فانتكس المسلمون آنذاك في تلك المعركة، ثم استقر الأمر للمسلمين بعد غزوة الخندق.
الفتح الأعظم
جاء في زاد المعاد: هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجاً.
خرج له صلى الله عليه وسلم بجنده بعد أن نقضت قريش عهدها في صلح الحديبية، وذلك في رمضان سنة ثمان، وفي البخاري: على رأس ثمان ونصف من مقدمه المدينة.
 وخرج منها يوم الاثنين غرة ذي القعدة من السنة السادسة ومعه زوجته أم سلمة في ألف وأربعمائة، ويقال ألف وخمسمائة، ولم يخرج معه بسلاح إلا بسلاح المسافر، السيوف في القرب. ففتح الله تعالى عليه مكة وانقادت الجزيرة للإسلام، وقد كان للعفو في صدر النبي صلى الله عليه وسلم أن عفا عمن أخرجوه وناصبوه العداء، فقال لقومه: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
وبعدها عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، يعلم أصحابه أحكام الإسلام، ويبلغ رسالة ربه إلى الأمم الأخرى، وبقي على ذلك حتى لقي ربه في الثاني عشر من ربيع الأول في الحادي عشر للهجرة، بعد أن أرسى تعاليم السلام والرحمة، وأصَّل للمبادئ الأخلاقية القائمة على التسامح والعدل، فصلِّ اللهم عليه في الأولين، وصل عليه في الآخرين، وصلّ عليه حتى ترث الأرض ومن عليها وأنت خير الوارثين.
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صالح.. قومه استعجلوا العذاب فاستحقوه

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:55


المصدر:

    بقلم: د.عمر شاكر الكبيسي

التاريخ: 19 يوليو 2014

   

القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة، وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف:176). وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3)، فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب، قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62). ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم، قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99)، فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها، قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف:

الآية 101)، وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى، قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ). وقصص الأنبياء في القرآن عِبَر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر، قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111)، فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان، قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120). وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه، فننال من الله تعالى السداد والقبول.

 في السنة التاسعة للهجرة.. كان للمسلمين مع النبي »«، سير باتّجاهِ منطقةِ تبُوك، لمواجهةِ حُشودِ الرُّومانِ العسكرية في شمالِ شِبهِ الجزيرةِ العربية، وتوقّف النبي عليه السلام مع أصحابه في »وادي القرى« قريباً من منطقةِ تبُوك، وكانت هناك منطقةٌ أثريّة وخرائبُ وآبارٌ للماء، تساءل البعضُ عن هذه الآثار، فقيل إنها تعود إلى قبيلةِ ثمود التي كانت تقطِنُ في هذا المكان. وقد نهى رسول الله المسلمين عن شربِ مياهِ تلك الآبار ودلّهم على عينٍ قُرب الجبال... وقال لهم إنها العينُ التي كانت ناقةُ صالح تشربُ منها وحذّرهم من دخولِ تلك الآثار إلاّ للاعتبار من مصيرِ تلك القبيلةِ التي حلّت عليها عقوبة الله فأصبحت أثراً بعد عيْن.

من هي قبيلةُ ثمود؟

تحدث القرآن الكريم عن نبي الله صالح عليه السلام ورسالته في قومه في آيات كثيرة بين فيها اصول دعوته ووسائلها ومقاصدها وأهدافها ومن ذلك ما حكته سورة الأعراف إذ قال تعالى:{ وإِلى ثمُود أخاهُمْ صالِحًا قال يا قوْمِ اعْبُدُوا اللّه ما لكُمْ مِنْ إِلهٍ غيْرُهُ قدْ جاءتْكُمْ بيِّنةٌ مِنْ ربِّكُمْ هذِهِ ناقةُ اللّهِ لكُمْ آيةً فذرُوها تأْكُلْ فِي أرْضِ اللّهِ ولا تمسُّوها بِسُوءٍ فيأْخُذكُمْ عذابٌ ألِيمٌ واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خُلفاء مِنْ بعْدِ عادٍ وبوّأكُمْ فِي الْأرْضِ تتّخِذُون مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وتنْحِتُون الْجِبال بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاء اللّهِ ولا تعْثوْا فِي الْأرْضِ مُفْسِدِين قال الْملأُ الّذِين اسْتكْبرُوا مِنْ قوْمِهِ لِلّذِين اسْتُضْعِفُوا لِمنْ آمن مِنْهُمْ أتعْلمُون أنّ صالِحًا مُرْسلٌ مِنْ ربِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِل بِهِ مُؤْمِنُون قال الّذِين اسْتكْبرُوا إِنّا بِالّذِي آمنْتُمْ بِهِ كافِرُون فعقرُوا النّاقة وعتوْا عنْ أمْرِ ربِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تعِدُنا إِنْ كُنْت مِن الْمُرْسلِين فأخذتْهُمُ الرّجْفةُ فأصْبحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِين فتولّى عنْهُمْ وقال يا قوْمِ لقدْ أبْلغْتُكُمْ رِسالة ربِّي ونصحْتُ لكُمْ ولكِنْ لا تُحِبُّون النّاصِحِين}.

اسم النبي وقبيلته ومسكنها

هو صالِح ابْنُ عبْدِ بْنِ ماسِخِ بْنِ عُبيْدِ بْنِ حاجِرِ بْنِ ثمُود بْنِ عابر بْنِ إِرم بْنِ سامِ بْنِ نُوح والقبيلة هي ثمود: وهي قبِيلةٌ مشْهُورةٌ تنسب إلى ثمُود بْن عابر بْنِ إِرم بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وكانُوا عربًا مِن الْعارِبةِ وقبيلةُ ثمود من القبائل العربية البائدة التي لم يرِد لها ذِكرٌ في التاريخ الإنساني سوى ما ورد من قصّتهم في القرآن الكريم أو في أحاديث سيّدنا محمد »صلّى الله عليه وآله«.

يسْكُنُون الْحِجْر الّذِي بيْن الْحِجازِ وتبُوك، والتي تُدعى »وادي القرى« في شمالِ شبهِ جزيرةِ العرب وفي عصورِ ما قبل التاريخ عاشت قبيلةُ ثمود، وكانُوا بعْد قوْمِ عادٍ، وكثِيرًا ما يقْرِنُ اللّهُ فِي كِتابِهِ بيْن ذِكْرِ عادٍ وثمُود وكانُوا يعْبُدُون الْأصْنام كأُولئِك، فبعث اللّهُ فِيهِمْ رجُلًا مِنْهُمْ، وهُو عبْدُ اللّهِ ورسُولُهُ صالِحُ.

منهج نبي الله صالح في الدعوة

كانت ثمود قبيلة وثنية تعبد الأصنام من دون الله تعالى فدعاهُمْ نبي الله صالح إِلى عِبادةِ اللّهِ وحْدهُ لا شرِيك لهُ، وأنْ يخْلعُوا الْأصْنام والْأنْداد، ولا يُشْرِكُوا بِهِ شيْئًا فآمنتْ بِهِ طائِفةٌ مِنْهُمْ، وكفر جُمْهُورُهُمْ، ونالُوا مِنْهُ بِالْمقالِ والْفعالِ، وهمُّوا بِقتْلِهِ، وقد استخدم في دعوته التعريف بالله تعالى والتذكير بالنعم والحجة المادية والتلطف مع قومه في دعوته.

رد القبيلة على صالح

لقد تعامل القوم مع سيدنا صالح بكبر وغرور وتعنت مبعثه قدرتهم على الصناعة والبناء فاستخفوا بنبيهم واتهموا صالحا بالسحر واستخفوا به وظلوا متمسكين بالموروث الباطل، ولا حرج على المسلم ان يتمسك بصالح العادات والتقاليد التي دأب عليها الناس ولكن ان كانت على خلاف مراد الله وتعاليم رسوله فهو الممنوع..

كذلك التحدي في الطلب لقد طلبوا طلباً ليس تحدياً وحسب بل انهم بالغوا في الطلب وسألُوه أنْ يأْتِيهُمْ بِخارِقٍ يدُلُّ على صِدْقِ ما جاءهُمْ بِهِ فأيده الله تعالى {قال هذِهِ ناقةٌ لها شِرْبٌ ولكُمْ شِرْبُ يوْمٍ معْلُومٍ ولا تمسُّوها بِسُوءٍ فيأْخُذكُمْ عذابُ يوْمٍ عظِيمٍ} وبين بأن هذه الناقة آية ودليل على صدق نبوته.

الاستجابة لما طلبوا

لما تعنت القوم ولم يجدوا ما يردون به دعوة نبيهم للخير لجأوا الى طلب مقرون بالتحدي الذي لا يقوى عليه بشر وقد اجْتمعُوا يوْماً فِي نادِيهِمْ، فجاءهُمْ رسُولُ اللّهِ صالِحٌ فدعاهُمْ إِلى اللّهِ وذكّرهُمْ وحذّرهُمْ ووعظهُمْ وأمرهُمْ، فقالُوا لهُ: إِنْ أنْت أخْرجْت لنا مِنْ هذِهِ الصّخْرةِ وأشارُوا إِلى صخْرةٍ هُناك ناقةً مِنْ صِفتِها كيْت وكيْت، وذكرُوا أوْصافاً سمّوْها ونعتُوها وتعنّتُوا فِيها، وأنْ تكُون عُشراء طوِيلةً مِنْ صِفتِها كذا وكذا.

فقال لهُمُ النّبِيُّ صالِحٌ عليْهِ السّلامُ: أرأيْتُمْ إِنْ أجبْتُكُمْ إِلى ما سألْتُمْ على الْوجْهِ الّذِي طلبْتُمْ أتُؤْمِنُون بِما جِئْتُكُمْ بِهِ. وتُصدِّقُونِي فِيما أُرْسِلْتُ بِهِ. قالُوا: نعمْ.

فأخذ عُهُودهُمْ ومواثِيقهُمْ على ذلِك، ثُمّ قام إِلى مُصلّاهُ فصلّى لِلّهِ عزّ وجلّ ما قُدِّر لهُ، ثُمّ دعا ربّهُ عزّ وجلّ أنْ يُجِيبهُمْ إِلى ما طلبُوا فأمر اللّهُ عزّ وجلّ تِلْك الصّخْرة أنْ تنْفطِر عنْ ناقةٍ عظِيمةٍ كوْماء عُشراء على الْوجْهِ الْمطْلُوبِ الّذِي طلبُوا وعلى الصِّفةِ الّتِي نعتُوا، فلمّا عاينُوها كذلِك رأوْا أمْراً عظِيماً، ومنْظراً هائِلاً، وقُدْرةً باهِرةً، ودلِيلاً قاطِعاً، وبُرْهاناً ساطِعاً فآمن كثِيرٌ مِنْهُمْ، واسْتمرّ أكْثرُهُمْ على كُفْرِهِمْ وضلالِهِمْ وعِنادِهِمْ.

شروط المعجزة

لقد طلب القوم من نبيهم معجزة فلبى الله تعالى لهم ما يريدون وينبغي ان تقابل تلك المعجزة بالتصديق والإيمان بالله تعالى ولذا فقد اشترط سيدنا صالح على قومه في التعامل مع الناقة شروطاً منها، رعاية تلك الناقة وعدم المساس بها فقال {هذِهِ ناقةُ اللّهِ لكُمْ آيةً} {فذرُوها تأْكُلْ فِي أرْضِ اللّهِ ولا تمسُّوها بِسُوءٍ فيأْخُذكُمْ عذابٌ قرِيبٌ}.

كما اشترط اختبارهم بطاعة الله أيِ اخْتِباراً لهُمْ أيُؤْمِنُون بِها أمْ يكْفُرُون؟ فقد كان من شأن الناقة التقاسم في شرب الماء من البئر فجعل لها يوماً ترد فيه الماء لا يشاركها احد منهم ولهم يوم لا تشاركهم فيه، وقيل بأنهم كان في يومها يشربون من حليبها ما يغنيهم عن الماء.

عناد ثمود وجحودهم للنعم

لقد استكبر الناس في تلك القبيلة وغرهم علو قدرتهم في البناء والعمران والعلم وظنوا ان لا غالب لأمرهم فتمردوا على اوامره تعالى فكان من شأنهم قتل الناقة وقد بدا الأمر من خلال تسعة من المفسدين الذين اغراهم الشيطان فجاسوا ديار القبيلة يحرضون الناس على قتل الناقة فاجْتمع ملؤُهُمْ، واتّفق رأْيُهُمْ على أنْ يعْقِرُوا هذِهِ النّاقة لِيسْترِيحُوا مِنْها، ويتوفّر عليْهِمْ ماؤُهُمْ، وزيّن لهُمُ الشّيْطانُ أعْمالهُمْ وكان الّذِي تولّى قتْلها مِنْهُمْ رئِيسهُمْ قُدار بْن سالِفِ بْنِ جُنْدعٍ، وكان أحْمر أزْرق قصِيراً، وكان فِعْلُهُ ذلِك بِاتِّفاقِ جمِيعِهِمْ؛ فلِهذا نُسِب الْفِعْلُ إِلى جمِيعِهِمْ كُلِّهِمْ.

فلمّا صدرتْ الناقة مِنْ وِرْدِها تربص بها مِصْدعٌ فرماها بِسهْمٍ فانْتظم عظْم ساقِها، وجاء نِساءُ الْقبِيلةِ فِي قتْلِها، وحسرْن عنْ وُجُوهِهِنّ ترْغِيباً لهُمْ، فبادر قُدارُ بْنُ سالِفٍ فشدّ عليْها بِالسّيْفِ فخرّتْ ساقِطةً إِلى الْأرْضِ، ورغتْ رغاةً واحِدةً عظِيمةً، تُحذِّرُ ولدها، ثُمّ طعن فِي لبّتِها فنحرها، وانْطلق فصِيلُها فصعِد جبلاً منِيعاً، ورغا ثلاث مرّاتٍ؛ فلِهذا قال لهُمْ صالِحٌ: {تمتّعُوا فِي دارِكُمْ ثلاثة أيّامٍ}.

واستخفوا بوعيد الله فلم يكفهم قتل ما طلبوه من نبيهم بل ازدادوا صلافة ووقاحة، فجمعُوا فِي كلامِهِمْ هذا بيْن كُفْرٍ بلِيغٍ مِنْ وُجُوهٍ؛ مِنْها أنّهُمْ خالفُوا اللّه ورسُولهُ فِي ارْتِكابِهِمُ النّهْي الْأكِيد فِي عقْرِ النّاقةِ الّتِي جعلها اللّهُ لهُمْ آيةً، ومِنْها أنّهُمُ اسْتعْجلُوا وُقُوع الْعذابِ بِهِمْ فاسْتحقُّوهُ ومِنْها أنّهُمْ كذّبُوا الرّسُول الّذِي قدْ قام الدّلِيلُ الْقاطِعُ على نُبُوّتِهِ وصِدْقِهِ، وهُمْ يعْلمُون ذلِك عِلْماً جازِماً، ولكِنْ حملهُمُ الْكُفْرُ والضّلالُ والْعِنادُ على اسْتِبْعادِ الْحقِّ، ووُقُوعِ الْعذابِ بِهِمْ.

وتآمروا على قتل صالح فلم يقف طغيانهم عند ناقة صالح بل تعدوا إلى التصميم على قتل نبي الله صالح عليه السلام فتآمروا على ذلك وأرادُوا فِيما يزْعُمُون أنْ يُلْحِقُوهُ بِالنّاقةِ وقال اللّهُ تعالى:{ومكرُوا مكْرًا ومكرْنا مكْرًا وهُمْ لا يشْعُرُون فانْظُرْ كيْف كان عاقِبةُ مكْرِهِمْ أنّا دمّرْناهُمْ وقوْمهُمْ أجْمعِين فتِلْك بُيُوتُهُمْ خاوِيةً بِما ظلمُوا إِنّ فِي ذلِك لآيةً لِقوْمٍ يعْلمُون وأنْجيْنا الّذِين آمنُوا وكانُوا يتّقُون} وذلِك أنّ اللّه تعالى أرْسل على أُولئِك النّفرِ الّذِين قصدُوا قتْل صالِحٍ حِجارةً رضختْهُمْ سلفاً وتعْجِيلاً قبْل قوْمِهِمْ.

استجاب الله لطلبهم ثانية: فما هو طلبهم هذه المرة؟

استجاب الله تعالى لطلبهم لما تحدوا نبيه لكنهم في هذه المرة طغوا وتجبروا وطالبوا بنزول العذاب فاستجاب الله لطلبهم فأخذهم اخذ عزيز مقتدر.

أصْبحتْ ثمُودُ يوْم الْخمِيسِ، وهُو الْيوْمُ الْأوّلُ مِنْ أيّامِ النّظِرةِ، ووُجُوهُهُمْ مُصْفرّةٌ، كما أنْذرهُمْ صالِحٌ عليْهِ السّلامُ، فلمّا أمْسوْا نادوْا بِأجْمعِهِمْ: ألا قدْ مضى يوْمٌ مِن الْأجلِ، ثُمّ أصْبحُوا فِي الْيوْمِ الثّانِي مِنْ أيّامِ التّأْجِيلِ، وهُو يوْمُ الْجُمُعةِ، ووُجُوهُهُمْ مُحْمرّةٌ، فلمّا أمْسوْا نادوْا: ألا قدْ مضى يوْمانِ مِن الْأجلِ، ثُمّ أصْبحُوا فِي الْيوْمِ الثّالِثِ مِنْ أيّامِ الْمتاعِ، وهُو يوْمُ السّبْتِ، ووُجُوهُهُمْ مُسْودّةٌ، فلمّا أمْسوْا نادوْا:

ألا قدْ مضى الْأجلُ، فلمّا كان صبِيحةُ يوْمِ الْأحدِ تحنّطُوا وتأهّبُوا، وقعدُوا ينْظُرُون ماذا يحِلُّ بِهِمْ مِن الْعذابِ والنّكالِ والنِّقْمةِ لا يدْرُون كيْف يُفْعلُ بِهِمْ، ولا مِنْ أيِّ جِهةٍ يأْتِيهِمُ الْعذابُ، فلمّا أشْرقتِ الشّمْسُ جاءتْهُمْ صيْحةٌ مِن السّماءِ مِنْ فوْقِهِمْ، ورجْفةٌ شدِيدةٌ مِنْ أسْفل مِنْهُمْ، ففاضتِ الْأرْواحُ وزهقتِ النُّفُوسُ، وسكنتِ الْحركاتُ، وخشعتِ الْأصْواتُ، وحُقّتِ الْحقائِقُ، فأصبحوا جُثثاً لا أرْواح فِيها، ولا حِراك بِها.

صالح يتأسف على قومه

كان سيدنا صالح حريصاً على هداية قومه إلى الإيمان فلما عتوا وأصابهم العذاب تأسف على ما أصابهم وما فاتهم من الهداية لله تعالى فقال:{فتولّى عنْهُمْ وقال يا قوْمِ لقدْ أبْلغْتُكُمْ رِسالة ربِّي ونصحْتُ لكُمْ ولكِنْ لا تُحِبُّون النّاصِحِين} أيْ لمْ تكُنْ سجاياكُمْ تقْبلُ الْحقّ ولا تُرِيدُهُ، فلِهذا صِرْتُمْ إِلى ما أنْتُمْ فِيهِ مِن الْعذابِ الْألِيمِ، والّذِي وجب عليّ مِنْ أداءِ الرِّسالةِ والنُّصْحِ لكُمْ قدْ فعلْتُهُ وبذلْتُهُ لكُمْ، ولكِنّ اللّه يفْعلُ ما يُرِيدُ، ويُقالُ إِنّ صالِحاً عليْهِ السّلامُ انْتقل إِلى حرمِ اللّهِ فأقام بِهِ حتّى مات.

 

avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

موسى كليم الله 1-2

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 11:58

المصدر:

    بقلم: محمد الكمالي

التاريخ: 15 يوليو 2014

القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف: 101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120)، وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

 

تبدأ الأحداث المتعلقة بقصة موسى عليه السلام، قبل مولده، حيث بلغ الطغيان والظلم في فرعون أوجه، فادعى الألوهية واستعبد بني إسرائيل، يظلمهم ويعذبهم ويستخدمهم في أصعب المهن وأرذلها، فأراد الله تعالى أن ينصر الضعفاء ويمحق الظالم، ويخرج البشرية من الظلمات إلى النور، فبدأ الأمر بإنذار من الله تعالى وتوعد للظالم، وذلك برؤيا رآها فرعون في منامه، بأن ناراً أقبلت من جهة بيت المقدس، أحرقت دور الأقباط وأبقت على بني إسرائيل، فجمع من أجل هذه الرؤيا، السحرة والكهنة، وأخبرهم عمّا رآه، فذكروا له أن ذلك مرتبط ببشارة عند بني إسرائيل، أنه يولد منهم ولد يكون هلاك ملك الأقباط على يديه.

اتخذ فرعون قراراً ظالما أرعن، يُضم إلى الجرائم التي أجرمها بحق بني إسرائيل، وحق المصريين أنفسهم، حيث استخفهم فأطاعوه، واستعبدهم فقبلوه، فأمر بقتل كل مولود ذكر يولد من بني إسرائيل، معتقداً بذلك أنه يحمي نفسه من تلك الرؤيا التي رأى هلاكه فيها، ثم إن بعض أتباعه وزبانيته اشتكى من أن هذا القرار، سيتسبب بعد فترة في فناء الشباب من بني إسرائيل، وتقليل أعدادهم، وبالتالي لن يكون هناك من يقوم بالأعمال الشاقة، فأصدر فرعون تخفيفاً للحكم بأن يقتل المواليد الذكور في سنة، ويتركون في السنة التي تليها.

ولادة موسى

ولد هارون عليه السلام «أخو موسى» في سنة الإعفاء، أما موسى عليه السلام، فشاء الله أن يكون ميلاده تحدياً لفرعون، ولأحكامه، ولبيان أن إرادة الله وقدره فوق كل حُكم وإرادة، ولا ينفع حذر من قدر، وأن من مأمنه يؤتى الحذر، فولد موسى في السنة التي كان يحكم فيها على المواليد فيها بالموت.

جاء جنود فرعون ليقتلوا الولد الرضيع، فأوحى الله تعالى إلى أم موسى وحي إلهام، أن تلقيه في اليم، مع وعد منه تعالى بأن يرده إليها، فوضعته في تابوت وألقته، وطلبت من أخته أن تتتبع مسيره، وشاء الله تعالى أن يحمله اليم إلى قصر فرعون، تحدياً من الله تعالى، بأن ما تخاف منه يا فرعون، سيتربى في دارك وأنت من سيحرص عليه.

وصول التابوت

وصل التابوت إلى قصر فرعون، فحمله الخدم إلى سيدة القصر، ووقع حب هذا الطفل في قلبها، فأخذته إلى فرعون الذي ما إن رآه وعرف أنه من بني إسرائيل، حتى أمر بقتله، لكن الزوجة شفعت له بعد أن أكمل الله تعالى لها فطنتها، وسألته أن يبقيه، ويتبنوه، ويكون كما يريدونه إذا تربى بينهم، ففعل فرعون ذلك كارهاً له.

ويُذكر أن موسى عليه السلام أخذ مرة بلحية فرعون وجرها، فغضب فرعون لذلك وخاف، فأمر بقتله، لكن زوجته آسيا اعتذرت له كونه ما زال صغيراً لا يدرك حركاته وتصرفاته، لكن فرعون لم يقتنع بأنه غير مدرك، فطلب إحضار جمر وتمر ليختبر موسى عليه السلام، فإذا اختار التمر قتله، وإذا اختار الجمر فإنه سيتأكد بأنه لا يعقل، فما كان من موسى إلا أن مد يده ليأخذ التمر، فدفع جبريل عليه السلام يده تجاه الجمر، فأصابته حرارته، فبكى عليه السلام، فقالت له آسيا: إنه لا يفرق بين جمرة وتمرة، فاطمأن فرعون لذلك، وهكذا حماية الله تعالى لأوليائه وأصفيائه.

حزن الأم

أما أمه عليه السلام، فقد وقعت في غم كبير وحزن شديد، لأن ابنها وصل إلى قبضة من يحاول قتله، وكادت تذهب وتحاول استرجاعه من القصر، إلا أن الله تعالى ربط على قلبها، وصبرت لوعد الله تعالى الذي وعد الصابرين بالأجر العظيم، وتفريج الكرب، وبين أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.

وما لبث الحزن في قلب أم موسى حتى تلقت بشارة رجوع ولدها إليها، حيث إن الله تعالى حرم على موسى المراضع، فلم يكن يرضى بأي حليب أو صدر امرأة لترضعه، فذهب به خدم فرعون يبحثون له عمّن ترضعه، فقالت أخته لهم، وهي تتصنع عدم معرفة هذا الطفل؛ هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، وأشارت إلى أمه، فلما أحضروه إليها وأرضعته، فرح خدم القصر بذلك، وجعلوا لها راتباً مقابل هذه الرضاعة.

موسى والقبطي

كبر موسى وترعرع بين كنفي أمه، وفي قصر فرعون حتى بلغ أشده وأصبح شاباً يافعاً، ووقعت في شبابه حوادث كثيرة من أبرزها أنه رأى رجلاً من بني إسرائيل يضربه أحد الأقباط الذين هم قوم فرعون، فاستنجد الإسرائيلي بموسى، فجاء ودفع القبطي يريد أن يبعده، إلا أن هذه الدفعة تسببت في قتله، وانتشر في البلاد خبر مقتل القبطي، إلا أنه لم يعرف من قتله، وأصبح موسى عليه السلام يمشي وهو خائف، يخشى أن يبطشوا به إذا علموا أنه هو القاتل.

وفي اليوم التالي رأى موسى عليه السلام الإسرائيلي الذي أنقذه يتعارك مع قبطي آخر، ويستنجد بموسى عليه السلام، فغضب موسى عليه السلام من كثرة ما يوقع هذا الإسرائيلي نفسه في المشكلات، وقال له إنك لغوي مبين، ثم جاء ليساعده، لكن الإسرائيلي بعد أن سمع تلك الكلمات من موسى عليه السلام، ظن أنه سيأتي ويكون مع القبطي ضده، فخاف وقال لموسى على مسمع من الجميع: «أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين».

مقتل القبطي

هنا علم الجميع أن موسى عليه السلام هو من قتل ذلك القبطي، وانتشر الخبر في كل البلاد، ووصل إلى فرعون، وأراد قوم فرعون الانتقام من موسى وقتله، جراء قتله القبطي، وقبل أن يصلوا إليه، جاء إليه رجل ناصح من آل فرعون، وبين له أن القوم يأتمرون به ليقتلوه، ونصحه بالهرب من مصر، علَّه ينجو من بطش قوم فرعون.

وبالفعل هرب موسى خائفاً، طالباً من الله تعالى المغفرة عمَّا فعل، وسائلاً إياه أن يهديه ويوفقه للخير، وهو يعلم أن العبد إذا أخطأ، فإن الله تعالى يقبل التوبة من عباده، ويفرح بعبده إذا رجع وأناب إليه، فوصل عليه السلام إلى بلاد مدين هارباً من قوم فرعون في مصر لتبدأ معه سلسلة جديدة من حياته.

ومدين هي منطقة كانت لقبيلة من العرب الموجودين في شمال غرب الجزيرة العربية، وبالتحديد تقع بالقرب من مدينة البدع التابعة لمنطقة تبوك الواقعة شمال غرب المملكة العربية السعودية.

قصته على البئر

لما وصل إلى بئر مدين وجد عليها جمعاً من الرجال يسقون أغنامهم، ووجد امرأتين تتأخران عنهم، وتمنعان غنمهما من الاختلاط مع الغنم الأخرى، فسألهما عن سبب تأخرهما عن سقي الأغنام، فذكرتا له عدم قدرتهما على السقي؛ لأنهما لا تريدان مخالطة الرجال، وأبوهما شيخ كبير لا يستطيع أن يرعى الأغنام، فتنتظران فراغ الرعاة من السقي فتأخذان فضل سقي الرعاة، فذهب موسى عليه السلام فزاحم الرعاة وسقى لهما، وقيل إنه أزاح صخرة كبيرة من على البئر يحملها في العادة عشرة رجال، فسقى لهما، ولم يطلب منهما أجراً أو معروفاً جزاء ذلك، بل جلس تحت ظل شجرة وطلب الأجر من الله تعالى فدعا ربه بقوله: «رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير».

في بيت الشقيقتين

بعد سقي الماشية؛ عادت الشقيقتان إلى أبيهما سريعاً، وذكرتا له أن هناك رجلاً غريباً كان على المورد، وهو من سقى لهما، فطلب الأب من إحدى ابنتيه أن تدعو ذلك الرجل ليجزيه أجر السقيا، ويكافئه عليها، فذهب موسى معها يسير أمامها مخافة أن يتكشف منها شيء أو أن ينظر إلى ما لا يحل له، وكانت تدله على الطريق من خلفه بالحصى برمي الحصى باتجاه المسير.

وصل موسى إلى بيت الشيخ الصالح وذكر له ما كان من أمره مع فرعون ومَلَئه، فطمأنه الشيخ وقال له: «لا تخف نجوت من القوم الظالمين»، ثم إن إحدى بناته أشارت إليه أن يستأجره، لما رأت من قوته وأمانته وعفته وشهامته، فعرض الشيخ على موسى عليه السلام، أن يزوجه إحدى ابنتيه مقابل أن يكون أجيره لثماني أو عشر سنوات، وقد فعل موسى ذلك فأحسن إلى هذا الشيخ، وأكمل معه تلك السنوات.

بعد ذلك أراد موسى عليه السلام، أن يرجع إلى أمه وأهله فأخذ بزوجته، وسار عائداً إلى مصر، وفي طريق العودة وقعت له حادثة عظيمة، غيرّت مجرى حياته وكان لها الأثر الأكبر في علاقته مع بني إسرائيل وفرعون وقومه، سنتعرف إليها في سياق الجزء الثاني من القصة، يوم غد إن شاء الله.
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

موسى كليم الله 2-2

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 12:00

القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف: 101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120).
وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.
تحدثنا في قصة سيدنا موسى أمس عن الأحداث التي سبقت وتلت ولادته، والأمور العجيبة التي مر بها مع فرعون، ووصلنا إلى ما كان من أمره مع فتاتي مدين وانقضاء أجل العمل بينه وبين أبيهما، ونكمل اليوم سيرته العطرة، ونتحدث عن نبوته، ومواجهاته مع «الطاغية».
بعد إتمام موسى عليه السلام عشر سنوات في مدين، وانقضاء الأجل بينه وبين الشيخ الصالح والد الشقيتين، وصل الاشتياق به لأمه وإخوته مبلغه، فقرر الرجوع إلى مصر، وسار بزوجته وأمواله نحوها، واثناء مسيره ليلا قرب وادٍ يقال له طوى، تاه وضل طريقه، قبل أن يرى نارا مشتعلة في جبل، فطلب من أهله أن يمكثوا ليقتبس لهم من تلك النار، فيتدفؤوا بها، ولعله يجد من يدله على الطريق، ولما وصل إليها، وجدها تشتعل في شجرة تقع طرف الوادي، وكانت لتلك النار خاصية عجيبة، إذ كلما زاد اشتعالها زاد اخضرارها، ولما اقترب منها ناداه الله وقال له: (إني أنا الله رب العالمين)، وأمره بخلع نعليه احتراما للوادي المقدس الذي حل فيه، ثم كلفه بالرسالة، ورفعه إلى مرتبة الاصطفاء، وجعله كليمه، ومن أولي العزم من الرسل، وقال له رب العزة: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي).
بعد هذا الاصطفاء والتكليف، علّم الله موسى أمور الدين والعبادة، وامره بالقيام عليها، ومنّ عليه بمعجزات خارقة تمهيدا لأمر عظيم سيكلفه به لاحقا، منها تحويل عصاه الى ثعبان، وادخال يده تحت ابطه فتخرج بيضاء من غير برص، وأرشده أنه إذا خاف من شيء أثناء الدعوة فليضمم يديه إلى جنبيه فيذهب عنه الخوف، ثم كلفه بالرسالة، والذهاب إلى فرعون ليدعوه بالرفق إلى الإسلام، لكنه خاف عليه السلام، وسأل الله أن يُذهب عنه صعوبة الكلام التي يعانيها جراء الجمرة التي أحرقت لسانه عندما كان صغيرا في بيت فرعون، كما سأله أن يشرك أخاه هارون في النبوة والرسالة، ليكون معينا له فاستجاب الله له.
دعوة في القصر
وحين وصل موسى بصحبة هارون إلى قصر فرعون، ودخلا ليدعواه للتوحيد والتوقف عن إيذاء بني إسرائيل، استنكر تلك الدعوة، وغضب، وسألهما مستهزئا: (وما رب العالمين)؟ قال له موسى: (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ) فقال فرعون: (فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان عظيم، ووضع يده تحت إبطه فخرجت بيضاء من غير سوء، فرفض فرعون الحق، وعميت بصيرته، وخاف أن يؤثر فعل موسى على من حوله، فقال لهم: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) فطلبوا منه أن يقيم تحديا بين موسى والسحرة في يوم العيد، لكي يكون الناس شهودا على ما سيحدث، فوافق عليه السلام.
وبالفعل جاء السحرة من كل مكان، فأنذرهم موسى من عاقبة إغوائهم للناس، فخافوا أن يكون نبيا حقيقيا، لكنهم اجمعوا على التحدي، وألقوا حبالهم وعصيهم، وسحروا أعين الحاضرين بمن فيهم موسى الذي دخل الخوف قلبه، فأوحى الله اليه أن لا يخف، وان يلقي عصاه، فتحولت إلى حية عظيمة تأكل حباله وعصيهم، عندها أيقن السحرة أن هذا الأمر معجزة، وسجدوا إيمانا وتصديقا وقالوا: (آمنا برب هارون وموسى)، فغضب فرعون لهذا الايمان والتصديق، وعذبهم حتى الموت بعد ان رفضوا اتِّباعه.
اشتد البلاء على بني إسرائيل، وبدأ فرعون بقتلهم، ويقول: (ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)، فيما راح موسى يدعو عليه وعلى قومه بهلاك الأموال ومحق البركة، فجاءته الاستجابة، فطُمس على أموالهم حتى قيل انها تحولت إلى حجارة، وجاءهم القحط والفقر والجفاف، وصار فرعون يرسل إلى موسى يخبره أنه لو رُفع البلاءُ فإنهم سيؤمنون، فكشف الله عنهم البلاء، لكن فرعون نقض عهده، ولم يفِ بوعده، فابتلاهم الله بنقص الثمار، ثم بالطوفان، وصارت السماء تمطر ضفادع، وتحول نهر النيل إلى دم لقوم فرعون، وإن أخذه قوم موسى تحوّل الى ماء، وفي كل مرة ينزل البلاء يذهبون إلى موسى ويعدونه بأنه لو كشف العذاب عنهم فإنهم سيؤمنون وسيسمحون لبني إسرائيل بالخروج، ثم يغير فرعون رأيه وينكث.
الخروج من مصر
بعد هذا البلاء أمر الله تعالى موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر، فخرج متخفيا بظلمة الليل مع 500 ألف شخص منهم، وما أن طلع الصباح ووجد فرعون مصر خالية ممن كانوا على خدمته، خاف على زوال رخائه، وجهز الجيوش، وخرج لاحقا بهم، وأدركهم عند طرف البحر الأحمر، حينها أحسّ بنو إسرائيل أن الهلاك قادم لا محالة، فالبحر من أمامهم، وفرعون وجيشه من خلفهم، لكن موسى عليه السلام ثبتهم، وأوحى الله اليه أن يضرب البحر بعصاه، فانشق وارتفع من الجانبين، حتى صار كالجبلين، وشُقت بينهما طريق ممهدة لنجاتهم، فلحق بهم فرعون وجنوده، ولما تجاوز موسى ومن معه البحر، انطبق جبلا الماء على بعضهما البعض، فأُغرقوا، بمن فيهم فرعون الذي قال حينهاSadآمنت أنه لا اله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين)، ثم أمر الله تعالى البحر أن يقذف بجسد فرعون ليشهد الجميع على هلاكه.
بعد هلاك فرعون، سار موسى واصحابه متوجهين إلى فلسطين، بأمر من الله ليستوطنها، ويخلصها من الحكام الجبابرة، وفي الطريق رأوا أناسا يعبدون الأصنام، وطلبوا منه عليه السلام أن يجعل لهم إلاها ليعبدوه، فوبخهم لرغبتهم في الضلال، وحثهم على الإيمان بالله، وعندما اقترب من فلسطين أخبر عليه السلام بني إسرائيل بأمر الله بدخول تلك البلاد، ومحاربة الجبابرة، وذكَّرهم بالوعد بالنصر، وكان على يقين بأنهم سيطيعونه، لكنهم رفضوا، وقالوا: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)، فعاقبهم الله تعالى على هذا الجحود بأن حرمهم من دخول فلسطين، وجعلهم في صحراء التيه 40 سنة.
وأثناء تيههم، ذهب موسى إلى ناحية الجبل بأمر الله، لينزِّل عليه التوراة والأحكام الربانية، وعَهِدهم الى أخيه هارون، لكنهم ضلُّوا في غيابه على يد رجل يقال له السامري، الذي جمع الحلي والذهب وأذابها، وصنع منها عجلا، ثم نثر عليه من تراب عجيب تدب فيه الحياة، كان قد وجده لما انشق البحر أثناء هربهم من فرعون، وهو أثر حافر فرس جبريل عليه السلام، وما إن نثره السامري على العجل، حتى صار يخرج خوارا، وقال لهم هذا إله موسى، ففرحوا به وعبدوه.
نزول التوراة
بعد اعتكاف موسى أربعين يوما في الجبل كلمه الله، وأنزل عليه التوراة، وزاد اشتياقه لخالقه، وطلب منه أن يكشف له الحجاب كي يراه، لكن الله بين له أنه لن يستطيع تحمل تجليه سبحانه، وضرب له مثلا حينما تجلى للجبل فتصدع وانهار، فأغمي على موسى من هول المنظر، ولما أفاق استغفر الله، قبل أن يرجع إلى قومه، ويجدهم وقد بدلوا دينهم، وكفروا بالله وعبدوا عجلا، فلام عليه السلام أخاه هارون على تركه لهم على الشرك، ولماذا لم يلحق به ويخبره عما كان من أمرهم، ثم جاء إلى قومه يدعوهم، ويبين لهم أوامر الله، فاعترفوا بذنوبهم، واحرقوا العجل، فكان الحكم من الله بأن يقتل بعضهم بعضا، لتقبل توبتهم، فنزلت سحابة لتغطيهم، وأخذوا يتقاتلون، الى ان دعا موسى ربه برفع هذا البلاء، فعُفي عنهم بعد أن قُتل منهم الكثير.
كما كفأهم الله بأن أنزل عليهم المن، وهو طعام أشبه بالحلوى، ورزقهم السلوى وهو طائر السمان ليأكلوه، وأمر جل جلاله موسى أن يضرب بعصاه الحجارة فنبعت منها الماء، ورغم هذه النعم الا ان بني اسرائيل جحدوا بها، وطلبوا من موسى أن يدعو الله بأن ينبت لهم الثوم والعدس والبصل والقثاء بدلا من المن والسلوى، فوبخهم على انكارهم للنعم، وقال: (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) ثم اختار عليه السلام 70 رجلاً من علماء بني إسرائيل ليستغفروا لهم، وذهبوا مع موسى إلى الطور، فلما جاءهم بالأوامر من عند الله تعالى (قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) فأخذتهم صاعقة العذاب، ثم دعا موسى ربه واستغفر لهم فغفر الله لهم وأعادهم إلى الحياة.
موت موسى
لما رجع موسى إلى بني إسرائيل ومعه التوراة وأحكامها، رفضوها، وادعوا المشقة، فأمر الله الملائكة أن ترفع الجبل وتجعله فوق رؤوسهم، وقيل لهم إما أن تقبلوها أو يسقط عليكم الجبل فقبلوا، وأُمروا بالسجود فسجدوا، وأخذوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم فصارت هذه سنة فيهم.
بقي موسى مع قومه إلى أن أدركه الموت قبل أن يكتب الله خروجهم من التيه، فقُبض عليه السلام، ودفن في قبر جانب الطريق المؤدي إلى بيت المقدس، عند الكثيب الأحمر كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم.
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عيسى.. كلمة الله ألقاها إلى مريم 1 ـ 2

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 12:04

لمصدر:

    بقلم: د.عمر شاكر الكبيسي

التاريخ: 13 يوليو 2014

 القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف:176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى( نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف:3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران:62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى ( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه:99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا )(الأعراف:

من الآية101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود:120) وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

لما كثر الظلم في بني إسرائيل وكهنتهم من بعد موسى إلى عهد زكريا عليهما السلام، استفحل طغيان الماديات على عقولهم في جميع جوانب حياتهم، بما في ذلك القضايا الإيمانية، يقول عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: (إنَّ بني إسرائيل لَمَّا طال عليهم الأمد، وقست قلوبهم، اخترعوا كتابا من عند أنفسهم، استَهوته قلوبُهم واستحلته ألسنتُهم واستلذَّته، وكان الحقُّ يَحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتَّى نبذوا كتابَ الله وراءَ ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون..

فقالوا: تعالَوا نَدعُ بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمَن تابَعنا عليه تركناه، ومَن كره أن يتابعنا قتلناه. ففعلوا ذلك)، وقال الله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) (البقرة:87) ، وسوف اتناول عرض القصة بالبيان والتحليل.

نسب عيسى عليه السلام

ولد عيسى عليه السلام من غير أب، فهو عبد لله ورسوله، وكلمته، ألقاها الى مريم وروح منه، وامه مريم بنت عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داوود عليهما السلام، وذكر اسمه في القرآن بلفظ المسيح تارة وهو لقب له، وبلفظ عيسى وهو اسمه العلمي، وبالعبرية يوشع الذي يعني المخلِّص، إشارةً إلى انه سبب لتخليص الكثيرين من آثامهم وضلالهم، وبكنيته ابن مريم تارة أخرى.

بداية القصة

كان عمران أبو مريم رجلاً عظيماً بين العلماء في بني إسرائيل، وعندما حملت زوجه، نذرت بتحرير مولودها لخدمة بيت الله، ولما وضعت، تبين لها ان الجنين انثى، بينما كانت ترجو ان يكون ذكراً، فتوجهت الى الله تعالى كالمعتذرة أو الآسفة، (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران:36)) وتقبل الله ذلك النذر منها.

وحين وضعت امرأةُ عمران مريم، لفتها في خرقة، وخرجت بها إلى بيت الله، تنفيذاً لنذرها، فتنازعوا على كفالتها التي أرادها زكريا، على اعتبار ان زوجته خالتها، لكن القوم رفضوا، واشترطوا أن يقترع معهم، فاقترع وظهر قلمه، -أي سهمه- وفعلوا ذلك ثلاثا، فكان القلم نفسه هو الظاهر، فكفلها زكريا.

بدأت مريم تترعرع في كنف الله، وفي رعاية نبي الله زكريا، وكانت تتعبد الله تعالى، وتتعلم الانجيل وتحفظه، وفي اثناء ذلك، كان سيدنا زكريا يرقب عليها احوالاً غريبة، وكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها قائلاً: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:37)..

وكان ذلك تهيئة لها لما ستحمله من وليد يخالف العادات والتقاليد، وتنبيها إلى قدرة الله الغالبة، لا سيما وان سيدنا زكريا قد بلغ من العمر عتيا، ولم يُرزق الولد، فبعد هذا التنبيه توجه إلى ربه قائلاً: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38)، ولمكانتها اصبح للملائكة وجود من حيث الرعاية والحث على العبادة، تمهيدا للاصطفاء الذي تُعد له، ومقدمات لما هو آتٍ من معجزة المولود الذي ستقدمه للبشرية.

البشارة بمولد عيسى

نشأت مريم نشأة طهر وعفاف، مكلوءة بعناية وحراسة الله، ولما بلغت مبلغ النساء، وكانت في الثالثة عشرة من العمر، كانت تأوي وحيدة الى خلوة للعبادة، ولم تُرع الا بالملك جبريل الذي ارسله الله اليها، وجاءها على صورة فتى، فأخذها الرعب، وظنته يريد بها سوءً، واستعاذت منه، ووصفته بعدم التقوى، فأخبرها انه مرسل من الله تعالى ليهب لها غلاماً زكياً، حينها استعجبت من أمرها، لأنه لم يلمسها احد من الناس فكيف ستلد؟ حينها هوّن جبريل عليها الأمر، وأحال ذلك الى قدرة الله، ونفخ في جيب درعها -جيب قميصها-، فوصلت النفخة إلى رحمها فإذا هي حامل.

سر ولادة المسيح

الله تعالى هو خالق الأسباب ومقدرها، وقادر على خرقها، وتغييرها ليلفت الناس اليه، ولما ارادت امرأة عمران ذكراً، لعله يكون النبي المرتقب، وهبها انثى، وكان منها ذلك النبي العظيم الذي ابعد الله ولادته عن المعتاد بين الناس، فجعله بلا أب، شأنه شأن ادم، قال تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران:59)..

وكل ذلك من اجل ان يرد البشرية الى قدرته سبحانه وتعالى اذا طغى تعلقهم بالماديات، ومع أن نواميس الكون في الولادة تخضع لقانون الزوجية، إلا أن هذه السنن تحكم المخلوقين لا تحكم الخالق، فكانت ولادة عيسى اعجازاً وخرقاً للعادة قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) (المؤمنون:50) فكان الحمل، ومرت الأيام.. وجنينها يكبر في بطنها، وما كانت تحس شيئاً من المعاناة، فحملها نعمة طيبة. وروي عن مجاهد انه قال: قالت مريم كنت إذا خلوت حدثني وكلمني، وإذا كنت بين الناس سبّح في بطني، حتى جاء الشهر التاسع).

لحظة الولادة

خرجت مريم بعيداً عن اعين الناس، حتى الجأها الطلق الى جذع نخلة في بيت لحم، قرب القدس في فلسطين، حينها تمنت الموت، لأنها عرفت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها، فأنساها كرب الولادة، وما ستسمعه من الناس ما كان من كلام الملائكة من البشارة بعيسى عليه السلام، وما كان من كلام ولدها عيسى لها،{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا}، قيل إن جبريل، وقيل إن عيسى عليه هو من قال لها:{أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}. وهو نهر جارِ.

سمعت مريم ابنها الوليد يطلب منها أن تكف عن حزنها، وأن تهز جذع النخلة لتنال بعض ثمارها، وتأكل، وتشرب، ولا تفكر في شيء، وتترك الباقي لله تعالى، ولم تكد تلمس الجذع حتى تساقطت عليها الرطب، فأكلت وشربت ولفت الطفل في ملابسها، وانشغل تفكيرها في شأنه، وأخذت تتساءل في نفسها: كيف سيستقبله اليهود؟ ماذا سيقولون فيه؟

هل يصدق أحد من الكهنة أن الله هو الذي رزقها هذا الطفل؟ خصوصا ان ولادتها تصادفت مع موعد عودتها المتعارف عليه من الخلوة، فكان لا بد أن تعود إلى قومها، وكان من تفطن لذلك احد العباد الذي يدعى يوسف النجار، وهو خطيبها، وقريبها، فلما رأى غلاماً على كتفها وليس لها زوج، فعرَّض لها بلسان الأدب قائلاً: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟ قالت: نعم، فمن خلق الزرع الأول.

ثم قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى. قال لها: فأخبريني خبَرَك. فقالت: إن الله بشرني {ان اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصَّالِحِينَ}.

لحظة المواجهة والمعجزة

لما ولدت مريم عيسى عليه السلام ذهب الشيطان، وأخبر بني إسرائيل أنها قد ولدت، فأقبلوا يشتدّون، ودعوها اليهم (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ). وتضمه لصدرها وتمشي به في جلال وبطء.. تساءل أحدهم: أليست هذه مريم العذراء؟ من هذا الغلام الذي تحمله؟

وبدأوا يسألونها: ابن من هذا يا مريم؟ لماذا لا تردين؟ هل هو ابنك؟ وكيف جاءك وأنت عذراء؟ .. الى آخره من الاتهامات التي بدأت تنهال عليها، وهي رافعة رأسها، واثقة بربها، تومض عينيها بالكبرياء والأمومة، ويشع من وجهها نور يفيض باليقين، ولما كثر الكلام وصُب عليها الاتهام، قالوا ما نقله القرآن عنهم: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً) (مريم:28) فضاق بها الحال..

وامتنع لديها المقال، وأشارت الى عيسى، أن كلموه، فكانت المعجزة التي ادهشت بني اسرائيل، حينما نطق عليه السلام، و(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)- (33) مريم.

وما أن انتهى الوليد من كلامه حتى كانت وجوه الكهنة والأحبار شاحبة، وعلموا أن مجرد مجيء المسيح يعني إعادة الناس إلى عبادة الله وحده، وهذا معناه انتهاء الديانة اليهودية الحالية، فاتفقوا على إخفاء قصة ميلاده وكلامه في المهد، واتهموا مريم العذراء ببهتان عظيم، وهو البغاء، فرحلت بابنها عن اعين هؤلاء خوفاً عليه، وذهبت إلى مصر، وقيل فلسطين، والمهم أن الله حفظهما وهيأ لهما مكاناً صالحاً للعيش يستقرون فيه.

غداً إن شاء الله، سنتابع تفاصيل أخرى في الجزء الثاني من قصة عيسى عليه السلام.

avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عيسى.. كلمة الله ألقاها إلى مريم 2 ـ 2

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 12:06

القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف:
101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) .
فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120)، وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.
ثمة الكثير من الصفات الذميمة التي لا ينبغي أن تكون موجودةً في شخصية المؤمن الصادق الحقيقي، لا سيما عدم الوفاء بالعَهد، ومن أهمِّ أشكاله، التناقض بين الأَقوال والأفعال؛ يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ» (الصف: 2-4)، ثم بين الله تعالى للمؤمنين كيف يتخلصون من هذه الصفة السيئة؛ من خلال القدوة الإنسانية التي اختارها سبحانه لتكون دليلاً ومرشداً لكلِّ المؤمنين.
ألا وهم الحواريُّون الأبرار، الذين سانَدوا سيِّدنا عيسى عليه السلام، وعاهدوه على مواصلة مسيرته في الدعوة إلى الله تعالى؛ فقال تبارك اسمه في آخر السُّورة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ» (الصف: 14).
ويبيِّن لنا رسولنا الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم معنى اسم «الحَواريِّين» ومن أين فازوا به؛ فيقول: «ما مِن نبيٍّ بَعَثه الله في أُمَّةٍ قَبلي إلَّا كان له من أمَّته حواريُّون وأصحاب، يأخذون بسُنَّته، ويَقتدون بأَمرِه - وفي روايةٍ: يَهتَدُون بهَديه، ويَستَنُّون بسُنَّته -، ثمَّ إنَّها تَخلُف مِن بعدِهم خُلُوفٌ، يقولون ما لا يَفعَلون..
ويفعَلون ما لا يُؤمَرون، فمَن جاهدَهم بيده؛ فهو مؤمنٌ، ومَن جاهدَهم بلسانه؛ فهو مؤمنٌ، ومَن جاهدَهم بقلبه؛ فهو مؤمنٌ، وليس وراءَ ذلك من الإيمان حَبَّة خَردلٍ)، فما هو الموقف العظيم الذي أثبت به الحواريُّون رضي الله عنهم، صِدق قولهم وتطابق سَريرَتهم مع علانيتِهم، فوَفوا به بما عاهَدوا الله تعالى عليه، على يد سيِّدنا عيسى عليه السلام؟
أمانة الدَّعوة
أرسلَ الله تعالى سيدنا عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل بالآيات البينات ليتبعوه، ويؤمنوا به وبدعوته، ويحدثنا سبحانه عن تفاصيل رسالته التي أرسل بها إلى بني إسرائيل؛ فيقول عزّ وجل: «وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ» (آل عمران: 49-51)، ويقول سبحانه: «وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (الصف: 6-7).
مبايعة الحواريين
ولمَّا كَفَر بنو إسرائيل وكذَّبوا سيِّدنا عيسى عليه السلام واتَّهموه بالسحر والدَّجل والشعوذة؛ برَز دَورُ الحَواريِّين رضي الله عنهم، الذين اختارَهم الله تعالى واصطفاهم؛ فألهَمهم الإيمانَ، وزيَّنه في قلوبهم «وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ» (المائدة: 111)، فلمَّا اشتدَّ كفرُ بني إسرائيل..
وتفاقم عَداؤُهم لسيِّدنا عيسى، وتآمَروا على قتلِه؛ طلَب عليه السلام من أصحابه الحَواريِّين أن يُبايعوه على مواصلة مسيرتِه وتبليغ دعوته بكلِّ تفاصيلها إن حَصل له شيءٌ، أو استُشهد في سبيل الله تعالى، فكانت الاستجابة العامَّة من قِبل الحَواريِّين جَميعاً إلى تلك البيعة الراشدة في موقفٍ عظيمٍ جَليلٍ نالَ الرِّضا من ربِّ العالَمين، فسجَّله وخلَّد ذِكرَه في كتابه المجيد: «فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ» (آل عمران: 52-53).
لحظات الوَداع
حُوصر سيِّدنا عيسى عليه السلام مع أصحابه، وطوَّقتهم مكائد الكفَّار من أحبار بني إسرائيل، فكان يثبِّت أصحابَه، ويشدُّ من عزيمتِهم؛ ويحثُّهم على الصبر ويبشِّرهم بالنصر، وبالفعل تأتي النجدة الإلهيَّة «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» (آل عمران: 54-55)، فألقى الله شبيهه على واحد من اتباعه فقتل مكانه، وأشاعوا بين الناس أنهم قتلوا المسيح عليه السلام، وهو خبر كذَّبه القرآن في قوله تعالى:
«وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً» (النساء: 157-158).
ثلاث فرق
يحدِّثنا عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عن تفاصيل ما جَرَى فيقول: «لَمَّا أَراد الله تعالى أن يَرفَع عيسى إلى السماء؛ خَرَج على أصحابه في بيتٍ وهم اثنا عشر رجلاً من الحواريِّين، وخرج من عين في البيت ورأسُه يقطر ماءً، قال: أيُّكم يُلقَى عليه شَبَهي فيُقتل مَكاني؛ ويكون معي في درجتي؟ فقام شابٌّ من أحدثهم سِنًّاً، فقال له:
اجلسْ، ثمَّ أعاد عليهم، فقام الشابُّ فقال: أنا. فقال: اجلسْ. ثمَّ أعاد عليهم الثالثةَ، فقال الشابُّ: أنا. فقال: نَعَم، أنتَ هو ذاك. فأُلقيَ عليه شَبهُ عيسى، فرُفع من رَوزنةٍ كانت في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود، فأَخَذوا الشَّابَّ للشَّبه، فقتلوه ثمَّ صلبوه، فتفرَّقوا ثلاثَ فرق، وقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثمَّ صعد إلى السماء. فهؤلاء اليعقوبيَّة، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثمَّ رفعه إليه.
وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبدُ الله ورسولُه ما شاء الله ثمَّ رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون، فتظاهَرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتَّى بعث الله محمَّداً صلَّى الله عليه وسلَّم، فأَنزلَ الله عزَّ وجلَّ: «فآمنت طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيَّدنا الذين آمنوا على عدوهم» بإِظهار محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم دينَهم على دين الكفَّار «فأصبحوا ظاهرين»
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شمويل.. تابوت موسى

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 12:07

القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف:176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى( نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف:3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران:62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى ( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه:99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا )(الأعراف:
من الآية101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود:120) وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.
نواصل سلسلتنا عن قصص الأنبياء، ومع قصة شمويل عليه السلام، الذي يسمى «شمعون»، وتعني إسماعيل، وهو غير نبي الله إسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام.
تبدأ أحداث القصة بعد تتابع الأنبياء على بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام في فلسطين، وانفصال النبوة عن الحكم، نتيجة تجبر الملوك الذين انتشر فيهم الفجور والفسق، والظلم والاستعباد، وصارت سنتهم قتل الأنبياء، فكلما أرسل لهم نبي قتلوه، وأصبح بنو إسرائيل في ذلة، وكثرت فيهم الحروب والقتل والهزائم، وكانوا يحملون في كل قتال تابوتاً وضعت فيه بقايا أثر موسى عليه السلام، مثل ألواح التوراة،.
والعصا، وشيء من أثر هارون عليه السلام، فكانوا كلما ضعفوا رأوا ذلك التابوت، ليتقوّوا به، ويشدوا عزائمهم، وعندما كان قتالهم مع «قبيلة العماليق»، الذين كانوا ضخام البنية، هُزموا هزيمة نكراء، وقتل منهم خلق كثير، وأُخذوا التابوت، حتى أمسوا مشردين ضعفاء أذلاء، فأخذ الصالحون فيهم يدعون الله تعالى أن يلم شملهم، ويجمع كلمتهم، إلى أن أرسل الله إليهم النبي شمويل.
طالوت تولى القيادة بإرادة الله
وعندما جاءهم شمويل عليه السلام، بدأ يدعوهم إلى العودة إلى الله تعالى، والاستغفار عما كان منهم من العصيان وقتل الأنبياء، فرجعوا تائبين، وبدأ يلم شملهم وشعثهم بعد الضعف والشتات الذي أصابهم، وسألوه أن يجعل عليهم ملكاً، وأن يكتب الله تعالى عليهم الجهاد ليقاتلوا الملوك الظلمة، ويرجعوا إلى أرض فلسطين، بعد ما طردوا منها، لكن نبي الله تعالى خشي أن ينكثوا أمر الله، إذا استجاب لهم، إذ قال:
{هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا}، {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا}، فدعا عليه السلام ربه أن يفرض القتال عليهم، ففرض، وجعل عليهم رجلاً يقال له طالوت، وقد كان كبير الجثة، نير العقل من ذرية بنيامين، وكان يعمل في دباغة الجلود، إلا أنهم رفضوا حكمه، لأنه فقير.
ولكونه من ذرية بنيامين، وقالوا{أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ}، فبين لهم نبيهم أن هذه إرادة الله تعالى، وليس من اختياره هو، وقال عليه السلام: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ. وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، فرفض بنو إسرائيل أمر الله تعالى غروراً واستكباراً أن يحكمهم رجل من عامة الناس.
شمويل والمعجزة
ولكي يجمع شمويل عليه السلام كلمة بني إسرائيل، ويثبت لهم أن اختيار طالوت مَلِكاً عليهم جاء بأمر الله، أتاهم بمعجزة، وهي نزول تابوت موسى الذي أخذه العماليق، من السماء، فلما رأوه أيقنوا ذلك، ورضوا بطالوت ملكاً، قبل أن يتجهزوا للقتال تحت إمرته ومرافقته، وقيل إنهم كانوا في تلك الأثناء أكثر من 80 ألف مقاتل، وخرجوا للجهاد برفقة شمويل عليه السلام، ولما طال بهم المسير نحو القتال،.
واشتد عليهم العطش، أوحى الله تعالى لنبيه بأنه سبحانه سيختبر صبرهم وصدقهم، فبلّغ عليه السلام ذلك لطالوت الذي أخبرهم: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}- ذُكر أن هذا النهر يقع بين فلسطين والأردن بما يعرف بنهر الشريعة-، وبين لهم أن المسموح في الشرب من هذا النهر هو فقط الاغتراف غرفة واحدة.
وأن هذا الأمر ابتلاء واختبار من الله تعالى ليحذروا من الشرب منه، ويتجاوزوه إلى غيره، امتثالاً لأمر الله، ونجاحاً في هذا الابتلاء، لكنهم مع كل ذلك التنبيه، ومع ما رأوا من إنعام الله تعالى عليهم بجمع الكلمة بعد الفرقة والبلاء، كفروا بنعم الله تعالى، وعصوا أمره، فشرب أكثر الجيش من النهر، ولم يمتثل سوى 300 وبضعة عشر جندياً فقط، وهو عدد يقارب عدد المسلمين في غزوة بدر، وقيل إن الذين تجاوزوا النهر مع طالوت، هم 4 آلاف مقاتل فقط، رجع منهم 3 آلاف و700 جندياً عندما رأوا جيش العدو، وبقي 300.
وفي تلك المواقف التي يبتلي الله تعالى بها بني إسرائيل عبرة يتعلمها الإنسان من أن الله تعالى لا يظلم الناس، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فما كان من قتل وتشريد وضعف في بني إسرائيل سببه عصيانهم وذنوبهم وبعدهم عن الله تعالى، وافتراؤهم على أنبيائهم بالتكذيب والسخرية والاستهزاء والقتل، وصدق الله تعالى إذ يقول: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}، وهو سبحانه لا يغير حال قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
الجيش والخوف من الهزيمة
لما تجاوز طالوت ومن بقي معه النهر، وصلوا إلى جيش العدو بقيادة رجل يقال له جالوت، وكان معه 100 ألف مقاتل، أصابوا جيش طالوت بالذعر والإحباط من مجابهتهم، فكيف يستطيعون ملاقاة جيش كامل قوامه 100 ألف مقاتل، وهم 300 رجل، بينما مُنع أكثر من 79 ألف جندي من القتال لفشلهم في امتحان الله تعالى لهم! لكن علماءهم حثوهم على الجهاد، وذكروهم بأن هذه الجيوش والأعداد إنما هي أسباب، وأن النصر الحقيقي بيد الله تعالى.
فمن أراد النصر فعليه أن يثق بالله تعالى ويعتمد عليه، ثم يأخذ بالأسباب المعينة عليه، ثم إن الله هو الموفق لما فيه الصلاح، لذلك نعتهم الله تعالى في كتابه بأجمل الأوصاف فقال: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، فوصف درجة ثقتهم بتوفيق الله باليقين، بأنه معهم، وأنهم ملاقوه سبحانه، وهو ما بينه النبي، صلى الله عليه، بأعلى درجات الإيمان، بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وفي قوله صلى الله عليه وسلم يوصي ابن عباس رضي الله عنه: (احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ)، فثبت بنو إسرائيل مع طالوت، وواجهوا جيش جالوت
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يوشع.. معجزة تجميد حركة الشمس

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 12:09


المصدر:

    بقلم- محمد الكمالي


القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف:

101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120) وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

في حلقة اليوم من قصة نبي، نتطرق إلى سيرة ثلاثة أنبياء، أرسلهم الله تعالى متلاحقين إلى بني إسرائيل، بعد وفاة موسى وهارون عليهما السلام، وهم يوشع بن نون، والياس، واليسع بن عدي عليهم السلام، والبداية مع النبي يوشع بن نون، وهو من ذرية يوسف عليه السلام.

عاش يوشع ونشأ خلال فترة نبوة موسى عليه السلام، وكان مرافقاً له في ترحاله، وتابعاً له ومصدقاً له في أوامره ودعواته إلى الله، كما لازمه لما خرج من مصر، ولما عوقب بنو إسرائيل في التيه، وتذكر كتب التفاسير أن يوشع عليه السلام كان مع سيدنا موسى في سيرته مع الخضر، وهو الفتى المذكور في قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً}.

لما مات موسى وهارون عليهما السلام، تولى يوشع أمر بني إسرائيل في التيه، وحرص على تبيان أوامر الله تعالى لهم، وكان حاكما عليهم، ويقوم بشؤونهم، وحينما أكملوا مدة العقاب المكتوبة عليهم، أذِن سبحانه وتعالى لهم بالخروج من التيه، ودخول الأرض المقدسة التي كتبها قبل أربعين سنة، فزف لهم عليه السلام تلك البشرى بأنَّ سخط الله عليهم قد زال، وزال معه الحرمان من الدخول إلى الأرض المقدسة بعد تلك المعاناة، وأمرهم بالاستعداد للمعركة التي وعدهم الله تعالى بالنصر فيها على القوم الجبابرة، الذين يسكنون بيت المقدس.

فأدرك بنو إسرائيل الخطأ الذي كان منهم قبل أربعة عقود، لما طلب الله تعالى منهم أن يقاتلوا مع موسى عليه السلام، ويدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها لهم، بعد أن وعدهم أنهم إن دخلوا الباب على حكامها الجبابرة، فإنهم سينتصرون بوعد الله، ورفضوا حينها، وقالوا لموسى عليه السلام {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا. فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} فكان عقابهم أن كتب الله عليهم التيه 40 سنة.

فتح بيت المقدس

سار يوشع عليه السلام ببني إسرائيل إلى بيت المقدس مطالبين استيطانها بعد طرد القوم الجبارين منها، وواثقين بنصر الله وتأييده، فحاصرها 6 أشهر محاولا دخولها، ثم بدأت بوادر النصر تظهر لبني إسرائيل، وحدث أن كانت ذروة احتدامهم مع القوم الجبارين في يوم الجمعة.

وفي ذلك اليوم اخذ الوقت يمضي ويقترب من الغروب، وخشي عليه السلام أن يدخل يوم السبت فيُحرم القتال، لأن شريعة بني إسرائيل تحرم عليهم القتال في هذا اليوم الذي يبدأ عندهم مع دخول وقت المغرب، وخاف أن يفقد الانتصار الذي بدأ به، ويكون للقوم الجبارين فرصة لأن يعيدوا جمع شتاتهم وقوتهم، ويحترزوا مما كان سببا في هزيمتهم.

معجزة يوشع عليه السلام

في خضم تلك الظروف الملبدة بالقلق والخوف من دخول يوم السبت، وفقد الانتصار، نظر يوشع عليه السلام إلى الشمس، وقال لها، إنك مأمورة وأنا مأمور، ثم دعا الله سبحانه وتعالى بقوله: «اللهم احبسها علينا » كي لا يدخل يوم السبت، وحتى يأتي النصر، فاستجاب الله تعالى له بمعجزة عظيمة لم تكن لنبي قبله، وأمر سبحانه وتعالى الشمس بالتوقف عن المسير الى حين انتهاء المعركة، فتوقفت، وبقي نهار الجمعة ثابتا، واستمر القتال بينه وبين القوم الجبارين، إلى أن نصره الله عليهم، ودخل بيت المقدس فاتحاً لها، ثم عادت الشمس الى حركتها الطبيعية.

وقد ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم ما حدث ليوشع عليه السلام فقال: (إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس).

ولما انتصر يوشع عليه السلام، وأراد أن يدخل الأرض المباركة التي كتبها الله لبني إسرائيل، أخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم دخول تلك الأرض على هيئة مخصوصة، وهي أن يدخلوها ساجدين، شكرا له على هذه النعمة التي أنعهما عليهم بأن نجاهم من التيه، وكتب لهم النصر، وأن يقولوا (حطة)، -أي اللهم حط عنا خطايانا التي لحقت بهم جراء تقصيرهم في حق الله تعالى، واتباع أوامره، إذ جاء في الآية:{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ . وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}.

استهزاء وتكبر

وبالرغم من النصر الذي حققه بنو اسرائيل، الا انهم استهزأوا بأوامر وتوجيهات يوشع عليه السلام، وتكبروا على الله تعالى، وجحدوا أمره، مع كونهم قد رأوا قبلها بلحظات كيف نصرهم جل جلاله، وكيف أوقف الشمس عن الغروب ليتحقق النصر لهم، فدخلوا يزحفون على مؤخراتهم، ويقولون حنطة بدلا من حطة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا حبة في شعرة) فغضب الله عليهم من ذلك الصنع والتكبر، وأنزل عليهم عقابا ورجزا من السماء، فأصابهم الطاعون الذي قيل إنه قتل منهم في ساعة واحدة 70 ألفا.

وبعد هذا البلاء والعذاب الذي حل عليهم من الله، ايقن بنو إسرائيل عظم الخطأ الذي وقعوا فيه، فرجعوا اليه تعالى، واستغفروه عما بدر منهم، فرفع عنهم الرجز، وبقي يوشع عليه السلام فيهم، وظل حاكما عليهم حتى توفاه الله تعالى، وكانت وفاته بعد وفاة موسى عليه السلام بـ27 سنة، وكان عمره عليه السلام آنذاك 127 سنة.

نبوة إلياس عليه السلام

بعد وفاة يوشع عليه السلام، انفصلت النبوة عن الحكم، فصار الحكام يسيّرون أمور بني إسرائيل الدنيوية، والأنبياء يسيّرون «الدينية، وكانت النبوة في ذرية«لاوي» والرئاسة في ذرية «يهوذا».

استمر حال بني إسرائيل على ذلك، إلى أن بدأ الكفر يطغى عليهم، فكان من أوائل من أشرك بالله تعالى فرقة من بني إسرائيل في أرض لبنان، وتحديدا في المنطقة التي تسمى في هذه الأيام «بعلبك»، وهي مأخوذة من اسم صنم كانوا يعبدونه اسمه بعل، فأرسل الله تعالى لهم النبي إلياس، وهو من ذرية هارون عليه السلام.

وذكر الله تعالى ما كان من أمره مع قومه، فقال سبحانه:{وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ* أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ* اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ* فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ* إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِين* وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ* سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ* إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}، وبيَّن الله تعالى جزاء هؤلاء القوم بأنهم محضرون للعذاب في الدنيا أو يوم القيامة، واستثنى منهم الموحدين الذين سينجون من ذلك العذاب.

النبي اليسع عليه السلام

بعد أن يئس إلياس منهم، تركهم لينزل بهم عذاب الله، وهاجر عنهم، وقيل إنه مات وهو يدعوهم إلى عبادة الله تعالى، قبل ان يرسل الله تعالى إلى بني إسرائيل النبي اليسع بن عدي، المنحدر من ذرية يوسف عليه السلام، وقيل إنه من ذرية هارون عليه السلام، وإنه ابن عم إلياس عليه السلام، ولم يذكر لنا القرآن الكريم أو الآثار الصحيحة، أمر هذا النبي ولا أمره مع قومه سوى أنه من رسل الله تعالى، وأنه أرسل إلى بني إسرائيل، واكتفى الشارع الحكيم بذكر اسمه فقط لحكمة يعلمها الله تعالى الذي انزل في كتابه:{وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ}، وقال في موضع آخر:{وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَار}.

avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عزير.. آية الممات والبعث

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 12:13


المصدر:

    بقلم- محمد الكمالي

التاريخ: 10 يوليو 2014

   

القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف:

101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها، وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111).

فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120) وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

 تمضي بنا قصص الأنبياء، لنعيش اليوم معكم، وقفات من حياة نبي كريم من أنبياء الله تعالى، ألا وهو النبي عزير عليه السلام، الذي عاش في الحقبة الزمنية الواقعة بين داوود وزكريا عليهما السلام، وكان رجلاً صالحاً مستجاب الدعوة حتى قبل نبوته.

بُعث عزير عليه السلام في فترة حكم ملك يقال له (بخت نصر) وكان ملكا طاغوتا، يبغض الدين ويكره الإيمان، وظلم بني إسرائيل كثيرا، وأوقع فيهم القتل والتشريد، وأحرق كل كتب التوراة، حتى انه لم يبق منها شيء، سوى ما سكن في صدور الناس، فأمره الله تعالى بالتوجه إلى إحدى البلاد التي يرجح انها بيت المقدس في فلسطين، ليدعوهم إلى عبادة الله، فركب عليه السلام حماره، وسار إلى تلك القرية امتثالا لأمر الله تعالى، ولما وصل إليها، تعجب مما وجد فيها، من الخراب والدمار، وتفاجأ بأنها خالية من الناس الاحياء، بعدما أحرقها الملوك الظلمة، حينها وقع في حيرة من أمره؛ إذ كيف يرسله الله تعالى إلى تلك القرية التي لا يوجد بها أحد؟!

معجزة الله فيه عليه السلام

لم يكن للنبي عزير أن يخالف أمر الله تعالى، أو يعترض على ما شرع له، فجلس عند بيت خرب مطل على تلك القرية في أول النهار، وربط حماره، وأخرج ما كان عنده من التين والخبز والعنب الذي عصره في قدح، وأضاف اليه الخبز اليابس ليصبح لينا، ثم مد رجليه على الجدار، وأخذ يتأمل، ويحدث نفسه بتعجب، سائلا اياها: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}، وهو بذلك لا يشكك بقدرة الله تعالى، وإنما يتعجب من أمره جل في علاه، كيف سيحيي هذه القرية بعد أن دُمرت وأُحرقت.

بعد هذا الحوار الداخلي الذي دار في نفسه عليه السلام، أراد الله أن يجعله آية للناس، ويريه عجائب قدرته، وكيف أنه سبحانه يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، فأمر ملك الموت أن يقبض روحه عليه السلام وهو جالس في هيئته التي كان عليها، فأماته الله مئة عام دون أن يتغير في جسده أو طعامه شيء، وبعد انقضاء تلك السنين، أمر جل في علاه أن ترد له الروح، فرُدّت..

واستيقظ، فسأله الملك عن المدة التي لبث فيها، فنظر الى ما حوله، وإذا باليوم لم يزل نهاراً، ونظر إلى طعامه وشرابه فإذا به على الحالة التي تركه عليها، فأجاب عليه السلام: {لبثت يوماً أو بعض يوم}، لكن الملك أخبره أنه لبث مئة سنة، حينها بدأ الشك يتسلل الى نفسه وقلبه، لاسيما بعدما لاحظ أن طعامه وشرابه لم يتغير فيهما شيء، فقال له الملك انظر إلى حمارك، فنظر..

فإذا هو جلدة بالية قد تحللت مع مرور الزمن، ثم أذِنَ الله تعالى أن تعود الحياة إلى الحمار، فأخذت أشلاؤه تتجمع، والرميم يبدأ يتحول الى عظام، بدأت تلتحم ببعضها البعض، وبدأ اللحم يكسوها، وأخذت العروق بالتشكل، بعدها تغطت العظام بالجلد، الذي بدأ يُكسى بالشعر، إلى أن رجع الحمار على ما كان عليه، فنفخ فيه الروح وبدأ ينهق، عندها تبين لعزير أمام عينيه، كيف يحيي الله الموتى، وأنه سبحانه بيده أن يحيي القرية كما أحيا ذلك الحمار.

دروس وعبر

من معجزة الله في عزير عليه السلام وحماره، نستنبط آيات وعبراً كثيرة، ان الله سبحانه قادر على كل شيء، فهو من يحيي الموتى، ويبعثهم يوم القيامة، ويعيدهم للحياة للحساب حتى لو طال عهد موتهم، ورمت عظامهم، وبليت أجسادهم، وهو سبحانه من وضع قوانين الكون وباستطاعته تبديلها متى وكيفما شاء، والا فكيف ينام هذا الرجل مئة عام من غير ان يتغير فيه شيء، او يمرض، أو تتيبّس عظامه من طول الزمن، ولم يحتجْ أثناء نومه إلى طعام أو شراب، وكيف ابقى الله الطعام على حاله من دون ان يفسد ولا ينتن ولا يتغير، وكيف أمات الحمار ثم أعاده للحياة أمام عزير عليه السلام بعد أن كان رميما وترابا؟.

عودته بعد 100 عام

وبعد أن رأى عزير عليه السلام تلك المعجزة العظيمة، والآية التي حدثت له، أخذ حماره ورجع إلى قومه الذين تركهم منذ مئة سنة، فلم يعرفوه لطول الزمن، فهو ما زال شابا، بينما فنِيَ كل من كان من ابناء جيله، او اصبحوا طاعنين في السن، وعندما وصل إلى بيته التقى بأمَة عمياء وصل عمرها الى 120 سنة، فسألها عن بيت عزير، فقالت له: لمَ تسأل عنه؟

ذاك اختفى منذ مئة سنة، فقال لها: أنا عزير، لكنها لم تصدق قوله، إذ كيف يعود الغائب بعد 100 سنة؟ وكيف يرجع وهو على هيئته التي كان فيها عندما غاب؟ ثم قالت له: إن عزيرا كان مستجاب الدعوة، فإن دعوت لي بأن يرد الله علي بصري، وعاد الي، صدّقت أنك عزير، فدعا لها، ومسح على عينيها فرجعت مبصرة، عندها نظرت اليه وتأكدت أنه عزير عليه السلام.

وما ان عاد بصر تلك المرأة، وشاهدت بأم عينيها عزيرا عليه السلام، علمت أن هذه معجزة من الله تعالى لهذا النبي الكريم، واسرعت إلى قومها تخبرهم برجوعه عليه السلام، لكنهم أنكروا هذا الأمر، وأول من أنكر من قومه هم ابناؤه عليهم السلام، وكانوا شيوخا كبارا، وأخبرتهم كيف دعا النبي الكريم الله جل شأنه أن يرد اليها بصرها فرد، وقيل إن أحد ابنائه، قال: إن لأبي علامة سوداء بين كتفيه، وكُشِف عنها، فظهرت، وعلم الناس أن نبي الله قد رجع إليهم حقا.

لقد كانت حياته عليه السلام آية تدل على عظمة الله تعالى، وقدرته، واعجازه، بأن أبقاه في شبابه، وجعل أبناءه شيوخاً، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنه لقول الله تعالى {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} يعني: آية لبني إسرائيل، وقيل إنه مات وهو ابن أربعين سنة، وبعثه الله شابا كهيئة يوم مماته، ثم إن بني إسرائيل ذكروا له ما كان من أمر الملك الذي كان يحكم يوم اختفائه عنهم، وكيف أنه أحرق نسخ التوراة، ولكنهم لم يكونوا يعلمون بأن عزيرا كان قد دفن في أرضٍ احدى النسخ التي اخرجها لهم، ليجدها قد بليت من طول العهد..

ومن تأثير دابة الارض التي أكلت جزءا منها، ولم يبق منها ما يمكنه قراءتها، إلا ان الله ألهمه معرفة التوراة كاملة، وجعلها في صدره، فجددها لهم، وأخذ يمليها على النبي الكريم، بينما انهمك بنو إسرائيل بكتابتها من ورائه، وقيل إنه كان يجلس ليمليها عليهم بأرض السواد بدير يقال لها حزقيل.

تكذيب وافتراء

 لما انتهى من تجديدها وإملائها لهم، افتتنوا به، وقالوا، :»إن التوراة أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام، وأنزلها له في ألواح، ولم يكن يحفظها عن ظهر قلب، لكنه كان يقرأها من الألواح، أما عزير فقد مات، ثم رجع إلى الحياة بعد مئة سنة، وحفظ التوراة، ولم تكن قد نزلت إليه، ولا حفظها من لوح،«، وبدأوا يكيدون له الكيد، وينسجون ادعاءاتهم، بناء على تفسيراتهم المجنونة، بأن عزيراً ابن الله..

وأن هذه المعجزات التي حدثت له، لم تكن كذلك الا لأنه ابن الله تعالى، وفي ذلك قال سبحانه:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}.

وقيل إن عزير عليه السلام مات في قرية تٌعرف بـ (سايراباذ)، واختُلف في أي البلاد تقع هذه القرية، فقيل إنها في العراق، وقيل في فلسطين.

 

avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اسماعيل .. صادق الوعد

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 12:20


المصدر:

    بقلم: د.عمر شاكر الكبيسي

التاريخ: 06 يوليو 2014


لَمَّا أعلن سيِّدنا إبراهيم عليه السلام براءته من أبيه ومن قومه، لإصرارهم على الشرك، ورَفضِهم اتِّباعَه ليسلك بهم سبلَ الرَّشاد، ثمَّ فارقَهم مهاجرا إلى الله تعالى، سأل ربَّه سبحانه أن يعوِّضَه بالذرِّية الصالحة الطاهرة، المعينة له على إقامة شعائر الدِّين؛ المطيعة لأمر الله تعالى، المتبعة سَبيلِه، الحريصة على مرضاته {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 99-100]، واستجاب الله تعالى لدعوته؛ فوَهَبه على كِبَر السنِّ أبناءً صالحين{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39].

وقد اصطفى الله تعالى سيِّدنا إبراهيمَ عليه السلام ليكون خَليلَه، وجعله إماما للناس يُقتدَى به، وكان أعظم ما امتُحن به سيِّدنا إبراهيمُ عليه السلام في طاعته لأوامر الله تعالى وتصديقه لقضائِه وتسليمه لحُكمه؛ ما كان من قصَّة قيامه بتنفيذ أمره تعالى له بذَبح ابنه البِكرِ إسماعيل، وتقديمه قربانا لله سبحانه، راضيَ النفس، مطمئنَّ الضمير، غيرَ ساخطٍ ولا نادمٍ ولا متذمِّرٍ، وإنَّها لمِحنةٌ ما مرَّ بمثلها أحدٌ من العالَمين غير سيِّدنا إبراهيم عليه السلام.

فكيف جَرَت تفاصيل هذه القصَّة؟

الغلام الحليم

نشأ سيِّدنا إسماعيل عليه السلام وتَرَعرع في مكَّة المكرَّمة شبهَ يتيم تَحت جَناح أمِّه هاجر عليها السلام، بعيدا عن كَنَف أبيه؛ بعدَ أن أمرَ الله تعالى سيِّدنا إبراهيمَ بأن ينقلَه عندما كان رضيعا بصُحبة أمِّه إلى تلك الدِّيار المقدَّسة؛ حفاظا عليهما من غيرة سارةَ.

وكانت مكَّة المكرَّمة وقتها أرضا جَرداءَ خاليةً من أيِّ أثرٍ للحياة، ودعا ربَّه سبحانه أن يميل إليهم أفئدةً من الناس ليكونوا لهم عونا على شَظَف العيش، واستجاب الله تعالى له؛ فكانت قصَّة بئر زَمزم وسُكنى قبيلة جرهم بقُربه ضيوفا ثمَّ أعوانا وأنصارا للسيِّدة هاجر وابنها عليهما السلام، وكان سيِّدنا إبراهيم عليه السلام يزورهما بين الحين والآخر ليطمئنَّ على أحوالهما.

بناء الكعبة

مرَّت السنوات، وماتت هاجر عليها السلام، وبَلَغ سيِّدنا إسماعيل مبلغَ الرِّجال، وتزوَّج من قبيلة جرهم، وجاءَ سيِّدنا إبراهيمُ يزوره على عادته، فقال له: (يا إسماعيلُ، إنَّ الله أمرني بأمرٍ). قال: (فاصنَع ما أَمَرك ربُّك) - وفي روايةٍ: (أطِعْ ربَّك) - قال: (وتُعينني؟)، قال: (وأُعينُكَ)، قال:

(فإنَّ الله أمرني أن أَبنيَ ها هنا بيتا)، وابتدآ ببناء الكعبة المشرَّفة، وكان سيِّدنا إبراهيم عليه السلام يتولَّى البناءَ، وسيِّدنا إسماعيل يَسعى بينَ يدَيه يجمع له الحجارةَ، فكان حالهما كما بيَّنه لنا الله تعالى بقوله الكريم: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 127-129].

ولمَّا انتهيا من بناء البيت جاءهما الأمر الإلهيُّ برعايته، والقيام على خدمته {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]، وبعدَ أن أصبحَ سيِّدنا إسماعيل عليه السلام عُكَّاز أبيه الشيخ في السعي والعمل على طاعة الله تعالى وتنفيذ أوامره؛ كانت الحادثة.

كما بيَّنها الله تعالى بقوله الكريم: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 101-111].

تصديق الرؤيا

لَمَّا كان سيِّدنا إبراهيم وابنه عليهما السلام، قد سألا الله تعالى أن يَجعلهما مُسلمَين له، طائعَين لأوامرِه، مُنقادَين لمشيئته، وأن يُريَهما مناسكَهما؛ استجاب سبحانه دعوتهما بهذه الحادثة، فامتحَن تسليمَهما، وأراهما مَنسكَ النَّحر بأن يُضحِّيا بأعزِّ وأغلى ما يملكان {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، فقد رأى سيِّدنا إبراهيم عليه السلام في المنام أنَّه يذبح ابنَه قربانًا لله تعالى.

وتكرَّرت عليه الرؤيا، وهو يعلَم أنَّ رؤيا الأنبياء شكلٌ من أشكال الوحي الإلهيِّ إليهم، وأنَّها جزءٌ من أجزاء النبوَّة، لكنَّ الرُّؤى منها ما يُحمَل على ظاهرِه، ومنها ما يحتاج إلى تأويلٍ وتعبيرٍ؛ لذلك أخبرَ سيِّدنا إبراهيمُ عليه السلام ابنَه برؤياه، فأجابه سيِّدنا إسماعيل عليه السلام بما اعتاد أن يجيبَه به فيما يتعلَّق بالوحي الإلهيِّ: (افعَلْ ما أَمركَ به ربُّك)، ووعدَه بأنَّه سيجده صابرا على الطاعة والاستسلام لأمر الله تعالى.

وحين اتَفقت كلمتهما على أنَّ الرؤيا مقصودةٌ بظاهرها؛ توجَّها لتنفيذ أمر الله تعالى، واستلقى سيِّدنا إسماعيلُ بين يدي سيِّدنا إبراهيم عليهما السلام على جنبه، ملصقا صفحةَ وجهه الشريف إلى الأرض، مادَّاً عنقَه، ساكنَ الأعضاءِ، كما تستلقي الذبيحةُ عندما يُذكَر عليها اسمُ الله ليُضحَّى بها، ولما ابتدأ سيِّدنا إبراهيم بحزِّ عنقِ ابنِه، جاءَه النداء الإلهيُّ بأنَّك قد أدَّيت ما عليك من الواجب.

ووفَّيت بالطاعة التي بأدائها نصرف الشدائد والمكاره عن عبادنا المحسنين، وأنَّك قد نجحت في الابتلاء الأصعب والامتحان الأكبر (المبين)، ثمَّ كان الفداءُ العظيم، فأرسل الله تعالى إليه كَبشًا ليذبحَه مكانَ ابنِه، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (الصَّخرةُ التي بِمنًى بأصل ثَبير، هي الصَّخرة التي ذَبَح عليها إبراهيم فداءَ ابنه، هبَط عليه من ثَبير كبشٌ أَعين أَقرن له ثغاءٌ فذَبَحه، وهو الكبش الذي قرَّبه ابن آدم فتُقبِّل منه، فكان مخزونا حتَّى فُديَ به).

الدروس والعبر

يستفاد من قصة سيدنا إسماعيل مع خليل الله تعالى الكثير من العبر والدروس، أبرزها التسليم المطلق لأمر الله تعالى، فشأن المسلم مع ربه شأن عبودية لله تعالى، ومن مقتضى العبودية ان لا يعلو على امر الله تعالى شيء وقد كان من قولهما (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 128) والإسلام انقياد لما امر الله تعالى به وخضوع لما نهى عنه.

درس آخر نتعلمه من هذه القصة وهو ان سيدنا إبراهيم بلغ في محبته لله تعالى مرتبة الخلة، وهي مرتبة من الحب لا تقبل الشراكة فيه، وقد جاء البلاء اختبارا لخلة ابراهيم فيا اذا تغيرت بمجيء الولد البار فصار يحبه مع الله، ام ان حب الله هو الغالب، ومن هنا جاء امر الله تعالى بذبحه، فكان حب ابراهيم لله اكثر من حبه لولده. «فخَلَصَتِ الخلة حينئذٍ من شوائب المشاركة، ولم يبق في الذبح مصلحة».

كما يستفاد كذلك أن المحن تعقبها المنح، إذ لَمَّا انقَضَت محنة البلاء المبين، وتجلَّت عن تَمام الطاعة، كافأ الله تعالى سيِّدنا إبراهيم عليه السلام بأن بشَّره بسيِّدنا إسحاق عليه السلام نبيّا صالحا، نافلةً وزيادةً على ابنِه الصالح الأوَّل؛ فقال سبحانه بعدَ قصَّة الذبيح: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 113]، أمَّا سيِّدنا إسماعيل عليه السلام؛ فقد خصَّه الله تعالى بتسجيل ذِكره في القرآن الكريم بامتيازٍ ظاهرٍ؛ فقال سبحانه:

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 54-55]، وفضَّله بأن جعل خاتم الأنبياء محمَّدا صلَّى الله عليه وسلَّم من ذرِّيته، فقال رسولنا الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم: (بُعثتُ من خَير قُرون بني آدم، قَرنا فقرنا، حتَّى كنتُ من القَرن الذي كنتُ فيه)، أيْ: إنَّ الأبناء إذا كانوا اثنَين أو أكثر كان عليه الصلاة والسلام في صُلب خيرهم وأفضلهم، والله أعلم.

avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

سليمان.. مُلك متفرد

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 12:25


    بقلم: د.عمر شاكر الكبيسي

التاريخ: 03 يوليو 2014

  

القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ) (الأعراف:

الآية: 101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120). وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

 وجَّه الله تعالى المؤمنين وأرشدَهم إلى ما ينبغي عليهم من تفويض أمرهم جملةً وتفصيلاً إليه، وعلَّمهم أن يُرجِعوا كلَّ ما يحلُّ بهم إلى أمرِه سبحانه، وبيَّن لهم في كثيرٍ من القَصص التي ذكَرها في كتابه الكريم ضرورةَ الاعتمادِ والاتِّكال عليه سبحانه، وعدم الاعتماد على الأسباب المادِّية المتاحة في أيديهم فقط؛ تسليماً منهم لإرادته المطلقة، وأوجَب عليهم طاعتَه وطاعةَ رُسلِه؛ لأنَّه أعلم بمصالحهم منهم، فقال تبارك اسمه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24].

وقد ضرب الله تعالى للمؤمنين بما جَرَى مع سيِّدنا سليمان عليه السلام مثلاً في ترك الاعتماد على الأسباب فقط، مهما كانت قوية، وأن يجمعوا بين التوكل على المسبِّب لكلِّ شيءٍ سبحانه، فما تفاصيل هذه القصَّة؟

الوريث المبارَك

كان سيِّدنا سليمان وزيراً لأبيه سيِّدنا داود عليهما السلام طوال مدَّة حُكمه، ثمَّ ورثَ عنه النبوَّة والحُكم في بني إسرائيل، وآلَت إليه كلُّ الامتيازات العظيمة التي وهبها الله تعالى لأبيه عندما أصبح ملِكاً، وقد خَطَب سيِّدنا سليمان عندما تولَّى زمام المُلك خطبةً يبيِّن فيها لبني إسرائيل فضلَ الله تعالى عليه وعلى أبيه من قبل، بما وهبهما واختصَّهما به من العِلم والتمكين والعطاء الكبير لكلِّ أسباب المُلك وآليَّاته المعنويَّة والمادِّية.

حب الخيل

الخيل من الحيوانات التي جبل الناس على حبها لجمالها وكثرة خيرها، وقد كان سيِّدنا سليمان عليه السلام فارساً شجاعاً؛ ومن فروسيته أنه كان مولعاً بحبها، يشرف على شؤونها والعناية بها بنفسه، ومما زاد في حبِّه لها ما حباه الله تعالى من خيول مُجنَّحة لا مثيلَ لها، فكانت عنايته بها أشدَّ من عناية أيِّ فارسٍ بفَرسه، ولذلك كان يحضر استعراضها كلَّ مساءٍ، ويمسح بيدِيه الشريفتين أعناقَها وسيقانها، يقول الله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31)} والصافنات هي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، والجياد: السراع.

ولَمَّا رأى سيِّدنا سليمان عليه السلام ما مكَّنه الله تعالى فيه، وآتاه إيَّاه من أسباب المُلك والقوَّة والنصر، ولَمَّا كانت الخيول المجنَّحة تلك محبَّبةً إلى نفسِه؛ تمنَّى أن يكون لدَيه من الأولاد عددٌ كبيرٌ يكفي ليكونوا فرساناً يمتطون صهوات هذه الخيول ليجاهدوا في سبيل الله تعالى معه، وقد دفعته تلك الأمنية إلى الثقة والاعتماد على الأسباب التي منحها الله تعالى له، وازداد في ولعه، فتمنى أمنية وطلب تحقيقها ونسي أن يرد أمرها إلى الله تعالى، وقال سبحانه {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32)}.

ويحدِّثنا رسولنا الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم عن أمنية سيِّدنا سليمان عليه السلام تلك، وما وَقَع له فيها من الفتنة والاختبار الربَّانيِّ؛ فيقول: (قال سُليمان بن داود عليهما السلام: لأَطوفنَّ الليلةَ على مئة امرأة - أو تسع وتسعين- كلُّهنَّ يأتي بفارسٍ يجاهد في سبيل الله.

فقال له صاحبه: قُل إن شاء الله. فلم يقل إن شاء الله، فلم يحمل منهنَّ إلَّا امرأة واحدة، جاءت بشِقِّ رجلٍ، والذي نفس محمَّدٍ بيده؛ لو قال:

إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين)، وحين أدرك أن حبه للخيل حال دون أن يرد الأمر إلى الله تعالى، أمر بإحضارها وذبحها ليطرد حبها عن أي شاغل عن الله تعالى فقال كما حكاه القرآن الكريم (رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)} [ص: 33]، وحكى الطبري في التفسير: كانت الخيل التي شغلت سليمان، عليه الصلاة والسلام عشرين ألفاً فعقرها.

إدراك الدرس

عندما وُضع ذلك الابن الوحيد المُعاق جسديّاً والذي رُزق به سيِّدنا سليمان عليه السلام من طوافِه على نسائه في تلك الليلة أمامَ عينَيه على كرسيِّه (وهو التخت الذي يكون أمامَ عرش الملك يضع عليه رجلَيه عادةً)؛ شعر بأنَّه قد اشتغل بملكه ونسي ذكر ربه، وأحسَّ بتسلُّط الشيطان عليه حين أنساه ذِكرَ ربِّه؛ لذلك أنابَ إلى الله تعالى، واستغفرَه من ذلك التصرُّف، وسألَه أن يرزقه ملكاً متفرِّداً بين الناسِ، لا يُشاركه فيه أحدٌ، وكان الأمر كما بيَّنه الله تعالى بقوله الكريم: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} (ص: 35).

الاستجابة لرجائه

يعلمنا الأنبياء الإنابة بالرجوع إلى الله تعالى، وطلب المغفرة، وهكذا الشأن مع سيدنا سليمان، فقد توجه إلى ربه يطلب المغفرة، ويسأله عطاء من الدنيا، فقال كما ذكر القرآن: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ.

وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 34-40]، فرزقه الله تعالى سلطةً على الرِّيح تجري بأمرِه، ومكَّنه من السيطرة على الشياطين كلِّهم، يعملون في خدمته وخيره، بين الإمساك والعطاء، ومعناه كما يقول ابن كثير (هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا، فأعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك فهو صواب).

وقد بيَّن لنا رسولُنا الكريم، صلَّى الله عليه وسلَّم، أنَّ هذه القصَّة قد وَقعت لسيِّدنا سليمان عليه السلام أثناءَ قيامِه بترميم وتعمير بيت المقدس؛ فقال صلوات الله عليه: (إنَّ سليمان عليه السلام لَمَّا بَنى بيتَ المقدس سأل الله عزَّ وجلَّ خِلالاً ثلاثةً، سأل الله عزَّ وجلَ حُكماً يصادف حُكمَه، فأُوتيه، وسأل الله عزَّ وجلَّ ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدِه، فأُوتيه، وسأل الله عزَّ وجلَّ حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحدٌ لا يَنهزه إلَّا الصلاة فيه؛ أن يُخرجَه من خطيئته كيوم ولدته أمُّه)، وفي روايةٍ: (لَمَّا فَرَغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس؛ سأل الله ثلاثاً.. أمَّا اثنتان؛ فقد أُعطيَهما، وأرجو أن يكون قد أُعطيَ الثالثةَ).

صيد الفوائد

مما مر من تفاصيل أحداث قصة سليمان يمكننا استنباط بعض العبر، منها أنه كان عليه السلام عاليَ الهمَّة، حريصاً على طاعة الله تعالى بكلِّ أشكالها، وكان يباشر الإشرافَ بنَفسه على كلِّ عملٍ في مملكته، ويكفينا لمعرفة ذلك علمُنا بأنَّه قد مات وهو مشرفٌ على العمل، واقفاً متَّكئاً على عصاه كما أخبرنا الله تعالى بقوله الكريم: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ.

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 13-14].

ونستفيد كذلك المواظبة على الذكر، وقد حث رسول الله على ذلك قائلاً: (لا يزَالُ لِسانُكَ رطْباً من ذكْرِ اللّهِ)، وهي دلالة على ضرورة التواصل مع الله تعالى في كل صغيرة وكبيرة، وربما ينسى الإنسان أن يقول كلمة في موضع معين كما قال الله تعالى لنبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً . إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً} [الكهف: 23-24] وهذا ما حصل مع سيدنا سليمان حينما نسي أن يقول تلك الكلمة، ومثيل ذلك ما حدث مع سيِّدنا يوسف عليه السلام في السِّجن، يقول الله تعالى: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42]، قال رسولنا الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم: (رحم الله يوسفَ؛ لولا الكلمة التي قال: {اذكُرني عند ربِّك}، ما لبثَ في السِّجن ما لبثَ).


avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

داوود.. النبوة والملك والقضاء

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 12:28


    بقلم: د.عمر شاكر الكبيسي


القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62). ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف: 101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120). وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

روى أبو سعيدٍ الخُدري رضي الله عنه؛ قائلاً: قَرَأ رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو على المنبر سورةَ (ص)، فلمَّا بلَغ السجدةَ؛ نَزَل فسجد، وسجَد الناسُ معه، فلمَّا كان يومٌ آخرُ، قرأها، فلمَّا بلَغ السجدةَ تَشَزَّن الناسُ للسجود- تهيأوا-، فقال النبيُّ، صلَّى الله عليه وسلَم: (إنَّما هي تَوبةُ نبيٍّ، ولكنِّي رأيتُكم تَشَزَّنتم للسجود)، فنَزل وسجد، فسجدوا.

وروى عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، سجَدَ في (ص)، وقال: (سَجَدها داوود توبةً، ونَسجُدُها شكراً).

فما حكاية هذه السَّجدة ؟ وما تعلُّقها بسيِّدنا داوود عليه السلام ؟

نبوة داوود وملكه

يخبرنا القرآن الكريم عن المكانة الرفيعة، التي وهبها الله، سبحانه وتعالى، لسيِّدنا داوود عليه السلام؛ فيقول عزَّ وجلّ :{اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)}، فقد جعله الله، تعالى، نموذجاً يُقتدى به في الصبر على العبادة والطاعة؛ لكثرة إنابته إلى ربِّه سبحانه، وسرعة رجوعه إلى الحقِّ في كلِّ أحواله، وسخر له الجبال والطيورَ تسبِّح معه صباحاً ومساءً، وقوَّى له مُلكَه ورسَّخه، وثبَّته بما مكَّنه من الأسباب وكثرة العَدَد واجتماع العُدَّة، بعدَ أن آتاه النبوَّة والقدرةَ على الفصل في خصومات الناس، فاجتمعت له النبوَّة، والمُلك، والقضاء.

خصومة المحراب

جاء في سورة (ص) عن القصَّة التي أدَّت إلى سجود سيِّدنا داوود عليه السلام توبةً إلى الله، تعالى، جل في علاه، خاطب رسولَنا الكريم صلَّى الله، عليه وسلَّم، قائلاً: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)}.

بداية الحادثة انطلقت من نزاعٍ نشأ بينَ أخوَين متشاركَين، أحدهما غنيٌّ كثيرُ المال واسع الثروة يملك تسعاً وتسعين نعجةً، والآخَر فقيرٌ لا يملك إلَّا نعجةً واحدةً فقط، وقد طلَب الغنيُّ من أخيه الفقير أن يضمَّ نعجتَه الواحدةَ إلى نعاجه الكثيرة ليرعاها، ورَفَض الفقير ذلك، حتَّى اشتدَّ النزاع بينَهما وتطوَّر إلى أن يكون مع كلِّ واحدٍ منهما جماعةٌ تعينه على تنفيذ رأيه، وتطوَّرت الخصومة حتَّى أدَّت إلى وقوع الشِّجار والبغي والعدوان من بعضهم على بعض، فارتأوا أن يذهبوا إلى نبيِّ الله داوود عليه السلام ليفصل بينهم، وجاؤوا إليه فوجدوه معتزلاً للعبادة في محرابه الخاصِّ المحاط بالأسوار والحرَّاس، فاضطرُّوا إلى التسلُّق على تلك الجدران، والتسلُّل خلسةً إلى داخل المحراب.

من البديهي أن نُدركَ هنا، أنَّ النِّزاعَ بينَهم بلغَ منتهاه حدَّ القِتالِ، ولو كان بسيطًا لَما احتاجوا أن يتكلَّفوا عناءَ تسلِّق الجدران واقتحام خَلوةِ سيِّدنا داوود عليه السلام، وبذلك نعلَم سببَ فَزَعه من منظرهم حينَ دخَلوا عليه، إذ لا ريبَ في أنَّهم كانوا مدجَّجين بأسلحتهم، ولهذا بادَروا إلى طَمأنته وإخبارِه بسبب حَملهم السلاح، ألَا وهو النِّزاع والتخاصم، الذي أدَّى بهم إلى القِتال، ثمَّ بيَّنوا له صِدقَ ونَقاء سريرتهم بأنَّهم ما قصَدوه إلَّا لأجل إظهار الحقِّ على يديه ليتَّبعوه، وطالبوه بأن يحكم بينَهم بالإنصاف والاعتدال، وأن يُرشدَهم إلى الطريقة الأمثل في فضِّ هذا النِّزاع، وهو كلام يدلُّ المتأمِّل على رجاحة عقول القوم، واستقامة ضمائرهم، ومتانة تديُّنهم.

وعندما سألهم سيِّدنا داوود عليه السلام عن سبب الخلاف، أخبروه أنَّه بين الأخوَين الحاضرَين معهم، فتكلَّم الأخ الأكبر وأظهَر ضعفَه ومَسكنتَه ومطالبةَ أخيه الاستحواذَ على نعجته الوحيدة، رغمَ الثروة الهائلة، التي منحه الله، تعالى، إياها، ثمَّ زعَم أنَّ أخاه قد عزَّه في الخِطاب، بمعنى أنه غلبَه في الكلام وألحَّ عليه في الطلب حتَّى تشاحنا وبلغت الشَّحناءُ بهما هذا الحال.

القضاء بين الخصمَين

لَمَّا استَمَع سيِّدنا داوود عليه السلام لكلام المتحدث، وهو الأخ الأكبر؛ تأثَّر به، ومالَ إلى جانبه، لِمَا رأى من ضَعفه واستكانته؛ فانفَعَل وأصدرَ حُكمَه على القضيَّة من دون أن يستمع إلى كلام الأخ الأصغر، وقَبل أن يمنحَه الفرصة للإدلاءِ بحجَّته وبيِّنته، أو لتوضيح غايته ومقصده في ما يريده من أخيه {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}، هنا وفي أثناء كلامه، انتبه سيِّدنا داوود عليه السلام إلى أنَّه قد تعجَّل في القضاء، وأنَّه لا يصحُّ أن ينطق بالحُكم وهو في حالة الانفعال هذه: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25)}.

الخلاصة والدروس

لا ريبَ أن المتأمِّل في هذه الحادثة يدرك أنَّ سيِّدَنا داوود عليه السلام- وقد آتاه الله تعالى الحكمة وفَصلَ الخطاب بفَهم دقائق الكلام- قد راجَعَ في ذِهنه كلامَ الأخ الأكبر المشتكي وحلَّل مفرداته، بعدَ أن كَبح انفعالَ التعاطفِ معه؛ فوجده منطوياً على براءة الأخ الأصغر المطالب بكفالة النعجة من الظلم والعدوان، وهذا ما نحتاج إلى فِعلِه لنُدرك ما أدركه عليه السلام وجعلَه يتراجع عن حُكمه، ويستغفر الله تعالى منه، والخطأُ في إصدار الأحكام القضائيَّة بسبب تلاعبِ أحَدِ الخصوم بعواطف القاضي بكلامه، أمرٌ واردٌ على الأنبياء؛ إذ قال رسولنا الكريم، صلَّى الله عليه وسلَّم: (إنَّما أنا بَشرٌ، وإنَّكم تَختَصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ ألحَنَ بحُجَّته من بعضٍ؛ فأَقضيَ على نحو ما أَسمَعُ، فمَن قَضيتُ له من حقِّ أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنَّما أَقطَعُ له قطعةً من النار)، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: (إنَّ من البيانِ لَسِحرًا)، وإنَّ من سحر البيان قَلبُ الحقائق وتشويهها في ضمير السامع.

ونفهم كذلك ضرورة التقاضي لحل النزاع، كما حصل من الأخوَين المؤمنَين الصالحَين؛ اللذين تحمَّلا عناءَ تسلُّق الأسوار للتوصُّل إلى سيِّدنا داوود عليه السلام، ومعرفة حكمه على القضية، ويؤكِّد اتِّصافهما بالتقوى والصلاح ما اشترطوه على سيِّدنا داوود عليه السلام من بيان الحق والهداية إلى سواء الصراط في القضية، زيادة على أهمية احترام الكبير بتقديمه في الكلام، وهو ما فعله سيدنا داوود حينما استمع بداية للأخ الأكبر، وقد حثنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ذلك حين اختصم إليه جماعةٌ من الأنصار يطلبون دمَ رجلٍ منهم قد وُجد قتيلًا في خيبر، فلمَّا أراد الذي شهدَ الحادثةَ الكلامَ، وكان في القوم مَن هو أكبر سنًّا منه قال له رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم: (كَبِّر، كبِّرْ)، واستمع إلى كلام «الأكبر» رغم أنه كان غريباً عن القتيل ولم يشهَد الحادثةَ.

من العِبَرِ كذلك اجتناب الغضب أثناء الحكم، فقد أدى حسن العرض للأخ الأكبر إلى انفعال من خلال كلامه عن الخلطاء؛ لأنَّه كلام وعظيٌّ لا يصدر إلَّا في حالة الانتقاد لظواهر المجتمع، أما الأخ الأصغر (الغني) فمقرٌّ ومعترفٌ بمُلكيَّة أخيه لتلك النعجة؛ ولذلك طالبَه بكفالتها فقط، والكفالةُ تقتضي الضمانَ العامَّ، وهذا يشهد له بسلامة النوايا تجاه أخيه، فهو لم يستَولِ على النعجة، ولم يأخذها غصباً، وأنَّه ما تعدَّى حدودَ المطالبةِ الكلاميَّة بكفالتها فقط، بدليل أنه ذهب يتقاضى ولم يأخذها عنوة.

حسن التدبير

نستخلص أنَّ في وصف المشتكي لأخيه بامتلاكه هذا الكمَّ الكبير من النِّعاج، ما يدلُّ على كونه حسنَ التدبير، متقناً في إدارة المال وتنميته، على عكس الحال مع «الواصف»، زيادة على أنه تتَّضح لنا الدوافع التي جعَلت سيِّدنا داوود عليه السلام يعتقد أنَّه قد فُتن فأخطأ في الحكم على القضيَّة؛ فاستغفر ربَّه وسجد توبةً، وهذا يرسِّخ المعنى الذي أشرنا إليه آنفًا، وهو التعقيب الإلهيُّ على الحادثة، الذي وجَّهه الله تعالى لسيِّدنا داوود عليه السلام؛ فقال تبارك وتعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (ص-آية 26) }.

avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

آدم.. عاش 960 سنة

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 12:31


المصدر:

    بقلم: محمد الكمالي


القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف:

الآية 101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120) وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

نعيش اليوم معكم في هذه السلسة من قصص الأنبياء عليهم السلام، مع بداية البشرية وخلق الناس ونشأة التاريخ والصراع بين الإيمان والشيطان، إنه آدم أبو البشر عليه السلام الذي عاش 960 سنة.

شاء الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة تعمر الأرض، وتعيش فيها، وتحييها فأخبر الملائكة بأنه سبحانه سيخلق خلقاً جديداً من اجل ذلك، فاستعجب الملائكة من ذلك، واستفهموا عن سبب إنشاء خلق جديد قد يعصي الله تعالى لاسيما وأنهم رأوا ما كان من بني الجان في الأرض من العصيان وسفك الدماء ونشر الخراب، فلماذا يخلق في الأرض خلقاً آخر على شاكلة ساكنيها من الجن فيفعلوا أفعالهم، بينما هم قد جبلوا على الطاعة- و(لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) لكن الله تعالى عنده علم الغيب كله، ويعلم ما كان، وما يكون، وما سيحدث، وهو بكل شيء عليم إذ يقول الله تعالى: (إني أعلم ما لا تعلمون).

وتمهيداً للخلق الجديد، أمر الله تعالى الملائكة أن تجمع التراب، فأخذوا يجمعونه من أنحاء الأرض، من سهولها وجبالها ووديانها وهضابها، ومن ترابها الأبيض والأحمر والأصفر والأسود وغيره .

و«لذلك صارت ذريته مختلفة الألوان ومتعددة الطابع»، فخلق آدم من قبضة قبضها الله من جميع الأرض فسواه طينا، ثم تحول الطين إلى طين لازب معجون، وصوره بيده، ثم تركه حتى كان صلصالا كالفخار وجعل طوله ستين ذراعا في السماء، وكان إبليس اللعين يمر عليه فيحركه ويقول: إن له شأناً فيحسده ويرى في نفسه العجب والكبر لكون هذا المخلوق خلق من الطين وهو مخلوق من النار، ومادة النار أشرف من مادة الطين في نظره.

نفخ الروح

بعد أن نفخ الله تعالى الروح في آدم عليه السلام دبت الحياة في جسده شيئاً فشيئاً بدءاً من رأسه، ولما وصلت عينيه ورأى ما حوله، تعجّل، وأراد أن يقوم، فلم يستطع، فكان الاستعجال طبعاً في بني آدم، ولما وصلت الروح إلى أنفه عطس، فعلمه الله تعالى أن يحمده، فشمته الله تعالى، وقال يرحمك الله، فكانت الرحمة من الله تعالى للإنسان منذ خلقه الله تعالى.

وتكريماً لهذا الخلق العظيم أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام بعد اكتمال خلقه، (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) فقال له الله تعالى (يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين* قال: لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون)، وقال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)..

وهنا فإن استثناء إبليس من الملائكة عندما قال الله تعالى (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) ليس المقصود بأن إبليس من الملائكة، وإنما هو استثناء منقطع لأنه ليس من جنسهم، لكنه ألحق بهم لما كان من شأنه معهم، لأنه كان كثير العبادة والطاعة مثلهم، حتى لقب بطاووس الملائكة، الا ان الله تعالى غضب عليه بسبب رفضه السجود، فلعنه وطرده من رحمته وقضى عليه بالخلود في النار لاستكباره وعصيانه ربه جل شأنه.

ولما علم إبليس أنه قد خسر الدنيا والآخرة، طلب من الله تعالى أن يمهله، ولا ينفذ قضاءه فيه، حتى يوم القيامة، فأجابه الله تعالى لما طلب، فما كانه منه الا ان توعد بأن يغوي بني آدم، ليدخلهم النار معه، ويبعدهم عن رحمة الله الذي بين له أن النار مصير كل من يتبع الشيطان، ويبتعد عن الهداية وطريق الإيمان، وهكذا يحذر الله تعالى الناس ويبين لهم أن الشيطان عدو لابن آدم من بدء الخليقة، وهدفه الأسمى إضلالهم ليوردهم النار.

تعلُّم الأسماء

بعد استواء خلق آدم علمه الله تعالى أسماء كل شيء، ثم أمره أن يسلم على نفر من الملائكة وينظر ما يقولون، فسلم عليهم، فردوا عليه بقولهم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقال هذه تحيتك وتحية ذريتك، ثم أراه الله تعالى ذريته، وفيهم رجال في أفواههم النور ، فأعجبه نور أحدهم، فسأل عنه، فقال له الله تعالى إن هذا ابنك داوود، فقال آدم، فكم جعلت له من العمر، فقال الله جعلت له ستين سنة، فسأله آدم أن يعطيه من عمره 40 سنة ليكملها بمئة.

ثم أراد الله تعالى أن يبين للملائكة أنهم لا يعلمون الكثير من علمه تعالى حينما سألوا عن سبب خلق آدم، فسألهم عن أسمائهم فلم يعرفوها فقال الله تعالى (يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) وعندئذ أدركوا أن العلم الذي تميز به آدم هو سر استخلاف الله له في الأرض، وهذا درس يعلمنا الله تعالى به أين يكمن الخير، ولعله يرى الأمر شراً في ظاهره فيكون فيه الخير الكبير.

خلق حواء

بعد فترة من الزمن استوحش آدم عليه السلام وأحس بالوحدة، فخلق الله تعالى له من ضلعه زوجه حواء فكانت أنيسه الذي يسكن إليه، فأسكنهما الله تعالى الجنة التي لا يجوع فيها أحد ولا يعطش ولا يعرى، وسمح لهما بالأكل من ثمارها، والسير في أرجائها، لكنه نهاهما أن يقتربا أو يأكلا من إحدى الأشجار الموجودة في الجنة، اختباراً لهما في الطاعة وامتثال المأمور، واجتناب المنهي، وحذرهما من إبليس ومكره وحرصه على أن يُخرجهما من الجنة، وبين أنه عدو لهما.

الخروج من الجنة

عاش آدم مع زوجته يتنعمان في الجنة وأنهارها وفواكهها وأشجارها، فجاءهما إبليس ووسوس لهما بأن هذه الشجرة شجرة الخلود والملك الأبدي، (قَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أو تكونا مِنَ الْخَالِدِين). نصحهما بأن يأكلا منها ليكون لهما الخلد الأبدي، فأزلهما فاتبعوه في ما زين لهما، فأكلت حواء من الشجرة ثم أكل منها آدم عليه السلام، وما إن فعلا ذلك حتى سقطت ملابسهما وبدت سوءاتهما وأخذ آدم وحواء يقطعان من ورق أشجار الجنة ليسترا ما ظهر من سوءاتهما، (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ).

في ذاك الحين ندم آدم على ما فعل من معصية الله تعالى واتباع الشيطان، واستغفر ربه طالبا منه العفو والرحمة مما عصا وجانب أمره، فغفر الله تعالى له وهو الغفور الرحيم الذي يقبل التوبة من عباده، ولكنه أخرجهما من الجنة إلى الأرض، ومن دار النعيم إلى دار الشقاء وكان ذلك يوم الجمعة.

ذريته

عاش آدم في الأرض مع حواء، وأنجبا ذرية كثيرة، وكانت تلد في كل مرة توأماً ذكراً وأنثى وكان شرعه أن الابن لا يجوز له أن يتزوج ممن ولدت معه، ولكن يتزوج ممن ولدت من حمل آخر. وهو السبب الذي دفع قابيل لقتل أخيه هابيل، لأن أخته أجمل من أخت هابيل، فلم يرد أن يزوجها منه، وغار منه ، إذ كان هابيل إلى جانب ذلك رجلاً صالحاً ينفق من أجود أمواله من الغنم، فيتقبل الله تعالى ما يقدمه من القرابين، أما قابيل فكان يخرج أردأ ما كان عنده من الزرع والثمار، فلا يتقبل منه، فدخل الحسد والغيرة قلبه وعمد إلى صخرة فرضّ فيها رأس أخيه لتكون أول جريمة في تاريخ البشرية.

وبعد أن عاش آدم عليه السلام 960 عاماً ورأى من ذريته 40 ألفاً جاءت الملائكة لتقبض روحه، فذكر أن الله تعالى أعطاه 1000 سنة فذكرته الملائكة بما كان من أمره في الجنة من سؤاله الله تعالى أن يعطي 40 سنة من عمره لابنه داوود فأنكر ذلك ونسي فنسيت أمته.

وفاته

 لقبض روحه عليه السلام، حضرت الملائكة يوم الجمعة، وجاؤوا إليه فعرفتهم حواء واحتمت بآدم الذي قال لها خلي بيني وبين ملائكة ربي، فقبضوا روحه وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له لحداً وصلوا عليه ثم أدخلوه قبره، وحثوا عليه التراب، ثم قالوا يا بني آدم هذه سنتكم أي الكيفية التي تدفنون فيها موتاكم.

 

ذريته مختلفة الألوان متعددة الطباع لأنه خلق من أنحاء الأرض

عندما علمت الملائكة بخلقه تعجبت من ذلك وخشيت إفساده

أمر الله الملائكة بالسجود له تكريماً لاكتمال خلقه

عندما استوحش وأحس بالوحدة خلق الله حواء من ضلعه

عاشا في الجنة حتى وسوس لهما الشيطان فأخرجا منها
 

avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10204
نقاط : 29436
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى