منتديات زنقتنا-منتديات شباب ليبيا الأحرار

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
يرجي التكرم بتسجبل الدخول إذا كنت عضو معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضو وترغب في الإنضمام إلي أسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك

إدارة المنتدي

أسرار التضمين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

GMT + 7 Hours أسرار التضمين

مُساهمة من طرف الشابي في الأربعاء 9 يوليو - 20:59

من كلام الخالق عز وجل وبلاغة قوله في الذكر الحكيم؛ القرآن الكريم، نغوص في تفاصيل الحروف ونبحر في كمال المعاني، لنرسم لقرائنا الأعزاء أجمل الصور الكتابية على هيئة أسرار ربانية بديعة. هذه الأسرار التي نستشفها من آيات قرآنية، تجسد بجمال تعابيرها واكتمال معانيها، كل ما لا يستطيعه بشر ولا يقوى عليه مخلوق.
فيها تجد الكلمة الأوفى والصورة الأنقى والإعجاز الأبقى، فيها أيضاً القول الفصل لكلام الخالق ذي الكمال، فليس أبلغ من كلام الله عز وجل قولاً. هو أصدق الحديث كلاً وجزءاً، وهو أوفى فاتحة وأكمل خاتمة، إنه القرآن الكريم الكتاب المحفوظ الذي لا ينقص تلاوة وإبحاراً واستزادة في العلم والنور؛ ولقارئه السرور.
«بديع الأسرار» محطة رمضانية ارتضيناها لكم من أنوارنا «أنوار رمضان»، لنمتع العقول ونقنع القلوب، بكلمات ربانية تتجلى فيها كل المسميات الحصرية؛ فيها الجمال والكمال والمثال، والإيحاء والوفاء والبناء؛ والتمام ختام.
تعتبر الحروف في اللغة العربية أحد أركان الكلام، فالكلام عند النحويين إما أن يكون اسماً أو فعلاً أو حرفاً، قال ابن مالك:
كلامنا لفظ مفيد كـ(استقم)
اسم وفعل ثم حرف الكلم
والحروف لها وظائف كثيرة، من أهمها ربط الكلمات والجمل بعضها بعضاً، ولعل حروف الجر هي الحروف الأكثر استخداماً في هذا المجال. والأصل أن كل حرف من هذه الحروف له معنى خاص به، فحرف الجر (من) يعني ابتداء الغاية، وحرف الجر (إلى) يعني انتهاء الغاية، قال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) (الإسراء1)، فالمسجد الحرام هو ابتداء الغاية، والمسجد الأقصى هو انتهاؤها.
إلا أن بعض الحروف قد ينوب مكان غيره لغرض بلاغي، وهذا ما يسميه العلماء (التضمين). يقول ابن هشام: «وقد يُشربون لفظاً معنى لفظ فيعطونه حكمه، ويسمى ذلك تضميناً، وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين»، انتهى كلامه.
ولما كان المثال يغني عن كثير من المقال، آثرنا الشروع فيه، وهذا المثال قد جاء في قوله تعالى في وصف نعيم الأبرار: (عيناً يشرب بها المقربون) (المطففين28)، ويمكننا أن نلاحظ بوضوح أن الفعل (يشرب) عُدي بالباء، وهو عادة ما يتعدى بحرف الجر (من)، فلو قال أحد هذا الكلام في غير القرآن لقال: عيناً يشرب منها المقربون. (فما السر في هذا العدول عن الأصل؟!).
إن الفعل (شَرِبَ) يدل على تناول الإنسان الماء، سواء كان هذا الماء قليلاً أو كثيراً، وسواء ارتوى منه أم لم يرتوِ، صحيح أن الشرب فيه لذة عظيمة يشعر بها الإنسان وهو يتناول الماء، إلا أن الارتواء يدلُّ على أن الشارب قد أخذ حاجته من الماء، وتلذذ به، وهذا المعنى لا يتحقق بمجرد الشرب. وقد حقق العدول عن حرف الجر (من) إلى حرف الجر (الباء) هذا المعنى الزائد.
فأصبح معنى قوله تعالى: (يشرب بها) أي يتلذذون بشربهم من هذه العين المباركة حتى يصلوا إلى مرحلة الرِّي. ولو استعملنا حرف الجر (من) لم يتحقق هذا المعنى، لأن مجرد الشرب من العين لا يعني بالضرورة التلذذ به وبلوغ حدِّ الري.
قال ابن القيم: (يُضمنون يشرب معنى يُروَى فيعدُّونه بالباء التي تطلبها، فيكون في ذلك دليل على الفعلين، أحدهما بالتصريح والثاني بالـتَّضمُّن، والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار، وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها..
وهذا أحسن من أن يقال يشرب منها، فإنه لا دلالة فيه على الري، وأن يقال يُروى بها، لأنه لا يدل على الشرب بصريحه، بل باللزوم، فإذا قال: يشرب بها، دل على الشرب بصريحه، وعلى الري عن طريق الباء فتأمله) (حروف الجر بين النيابة والتضمين: أحمد مطر العطية).
ومن الأمثلة عل التضمين أيضاً قوله تعالى حكاية عن فرعون وهو يخاطب السحرة: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) (طه71)، والصلب إنما يكون على الجذوع لا في الجذوع. والمقصود من ذلك الإشارة إلى طول مدة الصلب، وبيان شدة العذاب الذي وقع عليهم حتى أصبحت جذوع النخل ظرفاً توضع فيه أجسامهم، وكأنها قطعت منه، ولولا التضمين لما استفدنا هذا المعنى البليغ.
ومن الأمثلة أيضاً قول الله تعالى: (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون)(المطففين1-2)، والأصل أن الفعل (اكتال) يتعدى بحرف الجر (من) تقول اكتال فلان من فلانٍ قمحاً. والسر في العدول عن حرف الجر (من) إلى حرف الجر (على) أن حرف الجر (على) يتضمن معاني التكبر والاستعلاء والفوقية والقهر، فهؤلاء التجار يستغلون حاجة الفقراء.
علماً أن استيفاء الحق أمر جائز لا يُنكره الشرع، غير أن استيفاء هؤلاء لحقوقهم ليس من باب المساواة، بل من باب التحامل عليهم بغرض القهر والإذلال. قال الطاهر بن عاشور: (وإنما عُدي في الآية بحرف «على» لتضمين اكتال معنى التحامل، أي إلقاء المشقة على الغير وظلمه) انتهى كلامه.
وهذا قريب من قوله تعالى في سورة هود مخبراً عن صنيع قوم نوح وهم يشاهدونه يصنع الفلك: (ويصنع الفلك وكلما مرَّ عليه ملأ من قومه سخروا منه..) (هود38)، فقد استُخدِم حرف الجر (على) وكان من الممكن أن يقال: كلما مرَّ به ملأ من قومه سخروا منه. والغرض من ذلك، الإشارة إلى استعلائهم وتكبرهم وعتوهم.
هذه الأمثلة وغيرها في القرآن الكريم تكشف لنا روعة هذه اللغة العظيمة، هذه اللغة التي أنزل الله عزَّ وجل بها آخر كتبه، ونطق بها خاتم أنبيائه ورسله، محمدٌ عليه الصلاة والسلام.
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10206
نقاط : 29452
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى