منتديات زنقتنا-منتديات شباب ليبيا الأحرار

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
يرجي التكرم بتسجبل الدخول إذا كنت عضو معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضو وترغب في الإنضمام إلي أسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك

إدارة المنتدي

قَوَاعِدُ مُهِمَّةٍ فَي الأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيْ عَنِ المُنْكَرِ عَلى ضَوءِ الكِتَابِ والسُّنَةِ

اذهب الى الأسفل

GMT + 7 Hours قَوَاعِدُ مُهِمَّةٍ فَي الأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيْ عَنِ المُنْكَرِ عَلى ضَوءِ الكِتَابِ والسُّنَةِ

مُساهمة من طرف ابو عمر المصرى في الإثنين 25 يوليو - 10:37

القاعدة الأولى: الشرع هو الأصل في تقرير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

إن الميزان في كون الشيء معروفاً أو منكراً هو كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وسنة رسوله الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السلف الصالح لهذه الأمة، وليس المراد ما يتعارف عليه الناس أو يصطلحون عليه مما يخالف الشريعة الإسلامية .

فما جاء الأمر به في الكتاب والسنة، أو الندب إليه والحث عليه، أو الثناء على أهله، أو الإخبار بأنه مما يحبه الله تعالى ويرضاه، ويكرم أهله بالثواب العاجل والآجل، فهو من المعروف الذي يؤمر به. وما ورد النهي عنه في الكتاب والسنة، والتحذير منه، وبيان عظيم ضرره، وكبير خطره في الدنيا والآخرة، أو جاء ذم أهله ووعيد فاعله بالسخط والعذاب والخزي والعار، ودخول النار ونحو ذلك فهو من المنكر الذي ينهى عنه. (1)

قال ابن منظور: ( وقد تكرر ذكر المعروف في الحديث، وهو اسم جامع لكل ما عُرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ) (2)

وقال ابن الأثير: ( والمنكر ضد المعروف وهو كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر ) (3) .

_________

(1) تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص 12-13 بتصرف .

(2) لسان العرب، 9 / 240، وانظر النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، 3 / 216 .

(3) النهاية في غريب الحديث، 5 / 115 .



وذكر ابن حجر عن أبي جمرة (1): (يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع من أعمال البر، سواء جرت به العادة أم لا ) (2) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ( الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم، فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، ويُؤمر بالمعروف الذي أمر الله به .. ورسوله، ويُنهى عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، وإلا فلا بد أن يأمر وينهى، ويُؤمر ويُنهى، إما بما يضاد ذلك، وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله، وإذا اتخذ ذلك دينا: كان مبتدعا ضالا باطلا). (3)

وقال ابن حجر الهيثمي: ( المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر بواجب الشرع، والنهي عن محرماته ) (4) .

ويصف الإمام الشوكاني - رحمه الله - أفراد الأمة الإسلامية بقوله:

إنهم يأمرون بما هو معروف في هذه الشريعة، وينهون عما هو منكر، فالدليل على كون ذلك الشيء معروفا أو منكرا هو الكتاب والسنة (5) .

_________

(1) هو عبد الله بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، من علماء الحديث، من كتبه جمع النهاية اختصر به صحيح البخاري توفي بمصر، سنة 695 هـ، انظر الأعلام للزركلي، 4 / 221 .

(2) فتح الباري، لابن حجر، 10 / 448 .

(3) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص 42-43 .

(4) الزواجر عن اقتراف الكبائر، 2 / 146 .

(5) إرشاد الفحول، ص 77 .



ومن هذا يتبين لنا أن كون الشيء معروفا أو منكرا ليس من شأن الآمر والناهي، وإنما يعود ذلك إلى ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على فهم السلف الصالح لهذه الأمة من اعتقاد أو قول أو فعل .





























القاعدة الثانية: العلم والبصيرة بحقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

من القواعد العامة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن يكون الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر عالما بما يأمر به وبما ينهى عنه ،.. يعلم ما هو المنهي عنه شرعا حتى ينهى عنه، ويعلم ما هو المأمور به شرعا حتى يأمر الناس به، فإنه إن أمر ونهى بغير علم فإن ضرره يكون أكثر من نفعه، لأنه قد يأمر بما ليس بمشروع، وينهى عما كان مشروعا وقد يحلل الحرام ويحرم الحلال وهو لا يعلم (1) .

ولأهمية العلم النافع أمر الله به، وأوجبه قبل القول والعمل، فقال تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } (2) .

وقد بوب الإمام البخاري - رحمه الله - لهذه الآية بقوله: ( باب العلم قبل القول والعمل) (3) .

_________

(1) انظر محاضرات في العقيدة والدعوة، للدكتور صالح الفوزان، 2 / 328 .

(2) سورة محمد، الآية 19 .

(3) صحيح البخاري مع الفتح، 1 / 159، كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل .



وذلك أن الله أمر نبيه بأمرين: بالعلم، ثم بالعمل، والمبدوء به العلم في قوله تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ }، ثم أعقبه بالعمل في قوله: { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ }، فدل ذلك على أن مرتبة العلم مقدمة على مرتبة العمل، وأن العمل شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو مقدم عليهما، لأنه مصحح للنية المصححة للعمل (1) .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عند حديثه عن شروط الأمر والنهي: ( ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلم وفقه .. وهذا ظاهر فإن العمل إن لم يكن بعلم كان جهلًا وضلالا، واتباعا للهوى وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور وحال المنهي) (2) .

وأضاف يقول: وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعاً ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد ( لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه) (3) .

_________

(1) انظر فتح الباري، 1 / 160، وحاشية الأصول الثلاثة، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص15 .

(2) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص 17 .

(3) المرجع السابق، ص18، وانظر مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة، ص 131 .



ويقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - مخاطبا الداعية إلى الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: ( أن تكون على بينة في دعوتك أي على علم، لا تكن جاهلا بما تدعو إليه { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } (1) .

فلا بد من العلم، فالعلم فريضة، فإياك أن تدعو على جهالة، وإياك أن تتكلم فيما لا تعلم، فالجاهل يهدم ولا يبني ويفسد ولا يصلح، وإياك أن تقول على الله بغير علم، لا تدع إلى شئ إلا بعد العلم به، والبصيرة بما قاله الله ورسوله والبصيرة هي العلم، فعلى طالب العلم وعلى الداعية أن يتبصر فيما يدعو إليه، وأن ينظر فيما يدعو إليه ودليله، فإن ظهر له الحق وعرفه دعا إلى ذلك، سواء كان ذلك فعلا أو تركا، يدعو إلى الفعل إذا كان طاعة لله ورسوله، ويدعو إلى ترك ما نهى الله عنه ورسوله على بينة وبصيرة ) (2) .

_________

(1) سورة يوسف، الآية 108 .

(2) الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وأخلاق الدعاة، ص 35، بتصرف .



وأكد فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين - حفظه الله - على أهمية العلم والبصيرة للداعية إلى الله الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر فقال: ( وإن أول زاد يتزود به الداعية إلى الله عز وجل أن يكون على علم مستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة المقبولة، وأما الدعوة بدون علم فإنها دعوة على جهل، والدعوة على جهل ضررها أكبر من نفعها، لأن الداعية قد نصب نفسه موجها ومرشدا، فإذا كان جاهلا، فإنه يكون ضالا مضلا، والعياذ بالله .

ثم قال: تأمل أيها الداعية إلى لله قول الله تعالى { عَلَى بَصِيرَةٍ } أي على بصيرة في ثلاثة أمور :

1-على بصيرة فيما يدعو إليه بأن يكون عالما بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه، لأنه قد يدعو إلى شئ يظنه واجبا وهو في شرع الله غير واجب، فيلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، وقد يدعو إلى ترك شئ يظنه محرما وهو في دين الله غير محرم، فيحرم على عباد الله ما أحل الله لهم .

2- على بصيرة من حالة المدعو، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن قال له: « إنك ستأتي قوما أهل كتاب » ..الحديث (1) .

_________

(1) صحح البخاري مع الفتح، 3 / 357، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا رقم 1496، ومسلم 1 / 50، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، رقم 19، عن ابن عباس رضي الله عنهما .



3- على بصيرة في كيفية الدعوة قال تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (1) .

وإذا كان تزود الداعية بالعلم الصحيح المبني على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو مدلول النصوص الشرعية، فإنه كذلك مدلول العقول الصريحة التي ليس فيها شبهات ولا شهوات، لأنك كيف تدعو إلى الله عز وجل وأنت لا تعلم الطريق الموصل إليه، وإذا كنت لا تعرف شريعته فكيف يصح أن تكون داعية ؟

فإذا لم يكن الإنسان ذا علم فإن الأولى به أن يتعلم أولا ثم يدعو ثانيا، قد يقول قائل: هل قولك هذا يعارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم « بلغوا عني ولو آية » (2) ؟

فالجواب: لا، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: « بلغوا عني » إذا فلا بد أن يكون ما نبلغه قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا ما نريده ولسنا عندما نقول إن الداعية محتاج إلى العلم لسنا نقول إنه لا بد أن يبلغ شوطا بعيداً في العلم، ولكننا نقول لا يدعو إلا بما يعلم فقط، ولا يتكلم بما لا يعلم أ. هـ (3) .

_________

(1) سورة النحل، الآية 125 .

(2) صحيح البخاري مع الفتح، 6 / 496، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني اسرائيل، رقم 3461، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه

(3) انظر زاد الداعية، ص 6-10، باختصار وتصرف .



1) التحقق من كونه منكرا :

والمنكر كل ما نهى عنه الشارع سواء كان محرما أو مكروها، وكلمة المنكر في باب الحسبة (1) تطلق على كل فعل فيه مفسدة أو نهت عنه الشريعة، وإن كان لا يعتبر معصية في حق فاعله إما لصغر سنه أو لعدم عقله، ولهذا إذا زنا المجنون أو هم بفعل الزنا، وإذا شرب الصبي الخمر كان ما فعلاه منكرا يستحق الإنكار، وإن لم يعتبر معصية في حقهما لفوات شرطي التكليف وهما البلوغ والعقل (2) .

ويندرج في المنكر جميع المنكرات سواء من صغائر الذنوب أم من كبائرها، وسواء أكانت تتعلق بحق الله تعالى أم بحق خلقه. ولكن ما يجب معرفته أن الذي يملك الحكم على الشئ بأنه منكر أو غير منكر هو الشرع، فليس هناك مجال للأهواء أو العواطف، أو الأغراض الشخصية، ودور العلماء في ذلك إنما هو استنباط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، والأصول والقواعد المستوحاة منهما، ومن ثم الحكم على هذا الأمر بأنه منكر أو غير منكر بالدليل القاطع والحجة البينة.

_________

(1) الحسبة: هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله. انظر الأحكام السلطانية للماوردي ص 299 والأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء، ص 284 .

(2) انظر أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان، 179، بتصرف .



2) أن يكون المنكر موجودا في الحال .

وله ثلاث حالات :

الحالة الأولى: أن يكون المنكر متوقعا كالذي يتردد مرارا على أسواق النساء، ويصوب النظر إلى واحدة بعينها، أو كشاب يقف كل يوم عند باب مدرسة بنات ويصوب النظر إليهن، أو كالذي يتحدث بهاتف الشارع بصوت مرتفع مع امرأة ويحاول أن يرتبط معها بموعد، أو يسأل بكثرة عن كيفية تصنيع الخمر وطريقة تركيبه. فعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في هذه الحالات الوعظ، والنصح، والإرشاد، والتخويف بالله سبحانه وتعالى من عذابه وبطشه .

الحالة الثانية: أن يكون متلبسًا بالمنكر كمن هو جالس وأمامه كأس الخمر يشرب منه، أو كمن أدخل امرأة أجنبية إلى داره وأغلق الباب عليهما ونحو ذلك، ففي هذه الحال يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الإنكار عليه ونهيه من ذلك طالما أنه قادر على إزالة المنكر ولم يخف على نفسه ضررا أو أذى .

الحالة الثالثة: أن يكون فاعل المنكر قد فعله وانتهى منه ولم يبق إلا آثاره، كمن شرب الخمر وبقيت آثاره عليه أو من عرف أنه ساكن أعزب وخرجت من عنده امرأة أجنبية عنه، ونحو ذلك. ففي هذه الحال فليس هناك وقت للنهي أو التغيير، وإنما هناك محل للعقاب والجزاء على فعل المعصية. وهذا الأمر ليس من شأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر - المتطوع - وإنما هو من شأن ولي الأمر أو نائبه، فيرفع أمره للحاكم ليصدر فيه الحكم الموافق للشرع (1) .

_________

(1) انظر إحياء علوم الدين، 2 / 414، والكنز الأكبر ص 219، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، د / عبد العزيز المسعود 1 / 213 -215 .



وقد أشار الغزالى إلى هذه الحالات بقوله: ( المعصية لها ثلاثة أحوال: أحدها: أن تكون متصرمة، فالعقوبة على ما تصرم منها حد أو تعزير، وهو إلى الولاة لا إلى الآحاد، الثانية: أن تكون المعصية راهنة، وصاحبها مباشر لها، كلبسه الحرير، وإمساك العود والخمر، فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن ما لم تؤد إلى معصية أفحش منها أو مثلها، وذلك للآحاد والرعية، والثالثة: أن يكون المنكر متوقعا، كالذي يستعد بكنس المجلس وتزيينه وجمع الرياحين لشرب الخمر وبعد لم يحضر الخمر، فهذا مشكوك فيه، إذ ربما يعوق عنه عائق فلا يثبت للآحاد سلطة على العازم على الشرب إلا بطريق الوعظ والنصح، فأما التعنيف والضرب فلا يجوز .. إلا إذا كانت المعصية علمت منه بالعادة المستمرة، وقد أقدم على السبب المؤدي إليها، ولم يبق لحصول المعصية إلا ما ليس له فيه إلا الانتظار) (1) .

ويقول العلامة ابن نجيم في بحث التعزير: ( قالوا لكل مسلم إقامته حال مباشرة المعصية، وأما بعد الفراغ منها - أي المعصبة - فليس ذلك لغير الحاكم) (2) .

_________

(1) إحياء علوم الدين، 2 / 413، 414 .

(2) انظر البحر الرائق، شرح كنز الدقائق، 5 / 45 .





3) أن يكون ظاهرا من غير تجسس ما لم يكن مجاهرا .

وذلك أن الإسلام ضمن للإنسان أن يعيش في المجتمع آمنا مطمئنا محترما موقرا طالما أنه سلك الطريق الصحيح المستقيم، أما إذا حاد عن الطريق فإن الإسلام جعل لكل أمر معوج ما يناسبه من الإصلاح والتقويم، ومن الأمور التي شرعها الإسلام لاحترام الإنسان وأمنه النهي عن التجسس عليه، فلا يجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتسور الجدران أو يكسر الأبواب ليطلع على بيوت الناس ويتجسس عليهم ما لم يظهر شئ من ذلك، إذ إن الله تعالى نهانا أن ندخل البيوت إلا بأذن من أصحابها، والأصل في هذا قول الله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (1) .

بل إن الإسلام حرم النظر إلى داخل البيوت من أحد الثقوب أو الفتحات، وأسقط الشارع الحكيم حد القصاص والدية عمن فعل ذلك، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم -: « لو أنَّ امرأً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح » (2) .

_________

(1) سورة النور، الآية 27 .

(2) صحيح البخاري مع الفتح، 12 / 243، كتاب الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له رقم 6902 .



وإذا كان الإسلام حرم الدخول إلى بيوت الناس والنظر إلى داخلها بغير إذن، فإنه - أيضا - حرم التجسس يقول سبحانه: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } (1) .

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا » (2) .

وعن معاوية -رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم » (3) .

أما إذا جاهر الشخص بمعصيته سواء كانت مرئية كأن يخرج عند بابه ويضع الفيديو إلى جواره وفيه أفلام خليعة .. أو كانت مسموعة كأن يضع بآلة التسجيل شريطا به غناء ماجن أو موسيقى وغير ذلك، أو كانت مشمومة كأن تظهر رائحة الخمر والمسكر بحيث يشمها من هو خارج المنزل أو قريبا منه، ويتكلم معه، فإنه إذا فعل ذلك يكون قد أضاع الحق الذي أعطاه الإسلام له، ويكون بذلك قد عرض نفسه للإهانة والردع (4) .

_________

(1) سورة الحجرات، الآية 12 .

(2) صحيح البخاري مع الفتح، 10 / 484، كتاب الأدب، باب ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ) .. رقم 6066 .

(3) سنن أبي داود، 5 / 199، كتاب الأدب، باب في النهي عن التجسس، رقم 4888، وصححه النووي، انظر رياض الصالحين، ص 596، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة .

(4) انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، د / عبد العزيز المسعود، 1 / 221 بتصرف.



فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: « كل أمتي معافى إلا المجاهرين (1) وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عليه » (2) .

قال ابن بطال: ( في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم - وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم ..) (3) .

ومن خلال ما تقدم من أدلة يبدو لي - والله أعلم- أن الأدلة الواردة في النهي عن التجسس إنما هي خاصة بمن لم يجاهر بالمعصية، أما من يعلن معصيته ويجاهر بها، فإنه يشرع للمحتسب الاحتساب عليه، وذلك لردعه وكف شره .

يؤيد ذلك ما رواه الإمام مالك بن أنس عن زيد بن أسلم -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - « من أصاب من هذه القاذورات شيئا، فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله » (4) .

_________

(1) ومعنى (( إلا المجاهرين )) أي الذين جاهروا بمعاصيهم وأظهروها وكشفوا ما ستر الله عليهم، فيتحدثون بها لغير ضرورة ولا حاجة انظر شرح النووي على صحيح مسلم، 18 / 119 .

(2) صحيح البخاري مع الفتح، 10 / 486، كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه، رقم 6069 ومسلم 4 / 2291، كتاب الزهد، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، رقم 2990 .

(3) فتح الباري، لابن حجر، 10 / 487 .

(4) الموطأ، 2 / 825، كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا، وأخرجه البيهقي والحاكم على شرطهما، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه ابن السكن وغيره، انظر جامع الأصول، 3 / 598 .

4) أن يكون الإنكار في الأمور التي لا خلاف فيها .

من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتسع صدره لقبول الخلاف فيما يسوغ فيه الخلاف. وهناك مسائل فرعية ليست من الأصول يختلف فيها الناس كثيرا، وتتباين أقوالهم فيها، وهي في الحقيقة مما يجوز فيه الخلاف، فمثل هذه المسائل لا يكفر من خالف فيها، ولا يُنكر عليه، لأنها مما وسع الله فيها على عباده، قال تعالى { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ }{ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (1)

يذكر الإمام الغزالى - رحمه الله- من شروط الحسبة ( أن يكون كونه منكرًا معلوما بغير اجتهاد، فكل ما هو محل الاجتهاد فلا حسبة فيه) (2) .

وروى أبو نعيم بسنده عن الإمام سفيان الثوري -رحمه الله- قوله: ( إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه) (3) .

ويستثني القاضي أبو يعلى من ذلك إذا كان الخلاف ضعيفاً في مسألة من المسائل، وقد يؤدي عدم الإنكار إلى محظور متفق عليه، إذ يقول Sad ما ضُعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد .. فيدخل في إنكار المحتسب بحكم ولايته) (4) .

_________

(1) سورة هود، الآيتان 118-119 .

(2) إحياء علوم الدين، 2 / 286، وانظر مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة، ص 128 .

(3) الأحكام السلطانية، لأبي يعلى الحنبلي، ص 297 .

(4) الآداب الشرعية، 1 / 190 .



وقال النووي في الروضة: ( ثم إن العلماء إنما ينكرون ما أجمع على إنكاره، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد ولا نعلمه، ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع ولا ينكر أحد على غيره وإنما ينكرون ما خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا ) (1) .

وبهذا يتبين لنا أن الخلاف على نوعين: إما أن يكون سائغا، وإما أن يكون غير سائغ، فالخلاف السائغ يمنع من الاحتساب على رأي بعض العلماء، وأما الخلاف غير السائغ، أو الشاذ، كمن يخالف ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو ما أجمعت عليه الأمة، أو ما عُلم من الدين بالضرورة، فهذا خلاف لا يُعتد به ولا يلتفت إليه لعدم قيامه على الدليل، ويُنكر على من أتى به .

فالإنكار إنما يكون فيما يكون فيه الحق واضحا، والأدلة بينة من الكتاب والسنة والإجماع، أما إذا خلت المسألة من ذلك، فإنه ليس للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الإنكار في المسائل المختلف فيها، كما أنه لا التفات إلى الخلاف الشاذ .

وأن الواجب في الأمور الاجتهادية لزوم البيان والمناصحة، من قبل من تبين له وجه الحق في شئ من تلك المسائل .

_________

(1) روضة الطالبين، 10 / 219-220، ط 3، 1412 هـ - 1991 م، المكتب الإسلامي .
ابو عمر المصرى
ابو عمر المصرى
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 51
نقاط : 6486
تاريخ التسجيل : 27/06/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

GMT + 7 Hours رد: قَوَاعِدُ مُهِمَّةٍ فَي الأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيْ عَنِ المُنْكَرِ عَلى ضَوءِ الكِتَابِ والسُّنَةِ

مُساهمة من طرف Zico في الإثنين 25 يوليو - 20:17

في ميزان حسناتك أخي

ـــــــ-ــــــ-ـــــ-ـــــ-ــــــ-ـــــــ-ـــــ-ــــ-ــــــ-ــــــ-ـــــــ-ـــــــ-ـــــــ-

التوقيع
إني تذكــــرت والذكـــــرى مؤرقــة ******* مجداً تليداً بأيدينا أضعنـــــــــــــاه
ويح العروبة كان الكون مسرحهــا ******* فأصبحت تتوارى في زوايـــــــــــاه
أنّى اتجهت إلى الإسلام في بلد ******* تجده كالطير مقصوصاً جناحـــــاه
كم صرّفتنا يدٌ كنا نُصرّفهــــــــــا ******* وبات يحكمنا شعب ملكنــــــــــاه

يا من رأى عمر تكســــــوه بردته ******* والزيت أدم له والكوخ مـــــــــــأواه
يهتز كسرى على كرسيــــه فرقاً ******* من بأسه وملوك الروم تخشــــاه
سل المعاني عنا إننا عــــــــــرب ******* شعارنا المجد يهوانا ونهــــــــــواه

استرشد الغرب بالماضي فأرشـده ******* ونحن كان لنا ماض نسينـــــــــاه
إنّا مشينا وراء الغرب نقتبس مـــن ******* ضيائه فأصابتنا شظــايــــــــــــــاه
بالله سل خلف بحر الروم عن عرب ******* بالأمس كانوا هنا ما بالهم تاهوا
Zico
Zico
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10502
نقاط : 17519
تاريخ التسجيل : 28/05/2011
. : قَوَاعِدُ مُهِمَّةٍ فَي الأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيْ عَنِ المُنْكَرِ عَلى ضَوءِ الكِتَابِ والسُّنَةِ 706078396
. : قَوَاعِدُ مُهِمَّةٍ فَي الأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيْ عَنِ المُنْكَرِ عَلى ضَوءِ الكِتَابِ والسُّنَةِ 824184631572

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى