منتديات زنقتنا-منتديات شباب ليبيا الأحرار

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
يرجي التكرم بتسجبل الدخول إذا كنت عضو معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضو وترغب في الإنضمام إلي أسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك

إدارة المنتدي

التدرج

اذهب الى الأسفل

GMT + 7 Hours التدرج

مُساهمة من طرف ابو عمر المصرى في الإثنين 25 يوليو - 2:43

المبحث الرابع

أسلوب التأليف

من الحكمة التي يراعيها الداعية إلى الله أن يسلك سبلًا تربطه بالناس ، وتؤثِّر في قلوبهم ، فالنفوس قد جعل الله لها مداخل وخاصية ، وذلك أنها تفتح قلوبها لمن يأتيها من الزوايا التي تريحها ، وتقترب لمن يتألفها ويستميلها (1) ، ومهمة الداعية الحكيم أن يمتلك مفاتيح تلك القلوب ليعرف من أين يدخل إليها ليجد الاستجابة ، ومن هذه السبل أن يوثق الدّاعية علاقاته بأصحاب الرأي والتوجيه من الناس لما في ذلك من أثر نفسي لكلمة الداعية ، وسرعة لقبول دعوته ، وكل هذه السبل مجتمعة في إحسان الداعية إلى مدعويه ، فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها ، وقد اجتمعت هذه السبل في دعوته صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يتعامل مع كل بحسبه فيعطي محبي المال شيئًا يتألف به قلوبهم ، ويتعامل مع حديثي العهد بالإسلام بما يرسخ الإيمان في قلوبهم (2) فتجده صلى الله عليه وسلم يؤلف القلوب ببذل العطاء العظيم ، كما فعل صلى الله عليه وسلم في حنين ، بعد أن أغنمه الله أموال هوازن فآثر أناسًا من المؤلفة قلوبهم من صناديد قريش وغيرهم ممتثلًا قول الله عز وجل : { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا

_________

(1) انظر : جمعة أمين عبد العزيز ، الدعوة قواعد وأصول ، ص 123 .

(2) انظر : عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني ، الأخلاق الإسلامية وأسسها 1 / 196 .

وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (1) فكان يعطيهم صلى الله عليه وسلم ترغيبًا لهم واستمالة لقلوبهم ، فالترغيب يكون بكل ممكن مثل أن يبذل الراعي لرعيته ما يرغبهم في العمل الصالح من مال وغيره (2) .

فأعطى صلى الله عليه وسلم أناسا ما زالوا على شركهم ، مثل صفوان بن أمية إذ أعطاه صلى الله عليه وسلم عطاء عظيما ، فقد روى مسلم عن ابن شهاب قال : « غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين فنصر الله دينه والمسلمين ، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم ثم مائة ثم مائة » (3) فكيف كان أثر هذا العطاء في هذا الرجل ؟

يصف بنفسه رضي الله عنه هذا الأثر فيقول : « والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي » (4) ، وهذا هو السر في ترغيبه صلى الله عليه وسلم بعض الكفار بالمال لاعتناق الإسلام (5) .

_________

(1) سورة التوبة ، الآية : 60 .

(2) انظر : ابن تيمية ، مجموع الفتاوى 28 / 369 ، 370 .

(3) مسلم ، صحيح مسلم ، كتاب الفضائل ، باب ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم قط فقال لا ، وكثرة عطائه (ك 43 ح 2311) 4 / 1806 .

(4) المرجع السابق (ك 43 ح 2313) 4 / 1806 .

(5) أحمد عبد الرحمن البنا ، الفتح الرباني 9 / 60 .

وممن آثر صلى الله عليه وسلم بالعطاء يومئذ صناديد من العرب ، أعطاهم يتألفهم ويتألف أقوامهم ، فقد روى البخاري عن عبد الله رضي الله عنه قال : « لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسا في القسمة ، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك ، وأعطى أناسا من أشراف العرب ، فآثرهم يومئذ في القسمة . . . » الحديث (1) .

وحينما وجد عليه الأنصار - رضي الله عنهم بيَّن لهم صلى الله عليه وسلم الحكمة من هذا الإيثار ، فقال : « إنِّي أعطي رجالا حديث عهدهم بكفر » (2) .

وفي رواية : « إني أعطي قريشًا أتألفهم لأنهم حديث عهد بجاهلية » (3) .

وفي حديث سعد رضي الله عنه : « إنِّي لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار » (4) .

_________

(1) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب الخمس ، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم من الخمس ونحوه (ك 61 ح 2981) 3 / 1148 .

(2) المرجع السابق ، كتاب الخمس ، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم (ك 61 ح2977) 3 / 1147 .

(3) المرجع السابق (ك 61ح 2978) 3 / 1147 .

(4) مسلم ، صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب تألف من يخاف على إيمانه لضعفه ، والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع (ك 1 ح 150) 1 / 132 .

يشير أنس رضي الله عنه إلى أثر هذا العطاء فيقول : « إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا ، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها » (1) ، ففي هذه النصوص بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان يتألف أناسًا في إيمانهم ضعف ، لو لم يعطهم لكبّهم الله في النار (2) وفيه دليل على جواز بذل المال لأهل الجهالة والقسوة وتألفهم ، إذا كان في ذلك مصلحة (3) ، وتألف كل من يرجى بعطائه قوة إيمانه أو إسلامه أو إسلام قومه ، أو شيء مما يحصل به الخير للمسلمين (4) .

ومن السبل التي كان يسلكها صلى الله عليه وسلم في تأليف مدعويه الإحسان إليهم بالعفو والامتنان ، وذلك من كمال حكمته صلى الله عليه وسلم حيث كان يتألف الناس بما يعلم فيه صلاحهم ، فإن كانوا ممن يؤثر المال تألفهم بالمال ، وإن كانوا سوى ذلك تألفهم بما يتناسب وحالهم ، فكان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يتألف بالعفو ممتثلا قول الله عز وجل : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } (5) ، وقوله سبحانه : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (6) .

_________

(1) المرجع السابق ، كتاب الفضائل ، باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا وكثرة عطائه (ك 43 ح 2312) 4 / 1806 .

(2) انظر : النووي ، شرح صحيح مسلم 7 / 148 ، 149 .

(3) انظر : المرجع السابق 7 / 146 .

(4) انظر : الفخر الرازي ، التفسير الكبير 16 / 111 ، وانظر : ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، 2 / 365 ، وانظر : السعدي ، تفسير الكريم الرحمن 3 / 252 .

(5) سورة الأعراف ، الآية : 199 .

(6) سورة فصلت ، الآية : 34 .

ومما يدل على ذلك من أفعاله صلى الله عليه وسلم ما رواه البخاري « عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة ، فعلق بها سيفه ، قال جابر : فنمنا نومة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فجئناه ، فإذا عنده أعرابي جالس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم ، فاستيقظت وهو في يده صلتًا ، فقال لي : من يمنعك مني ؟ قلت : الله ، فها هو ذا جالس ، ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم » (1) .

ففي هذا العفو والمن دليل على شدة رغبته صلى الله عليه وسلم في تأليف الكفّار ليدخلوا في الإسلام (2) .

وقد كانت نتيجة هذا العفو كما يرغب صلى الله عليه وسلم ، حيث أسلم الرجل ورجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير (3) .

_________

(1) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب غزوة ذات الرقاع (ك 67 ح 3905) 4 / 1515 .

(2) انظر : ابن حجر ، فتح الباري 8 / 193 .

(3) انظر : المرجع السابق 8 / 193 .

ويدل على تألفه بالعفو أيضا كريم عفوه وعظيم منِّه على ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة ، حيث قال : « أطلقوا ثمامة » (1) ، فانقلب بغض هذا الرجل المشرك حبًّا وعداوته صداقة ، فأسلم وحسن إسلامه ، وذلك لما أسداه إليه النبي صلى الله عليه وسلم من العفو والمنّ بغير مقابل (2) ، ويشير النووي إلى الحكمة النبوية في هذا العفو والملاطفة فيقول : " هذا من تأليف القلوب وملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير " (3) .

_________

(1) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال (ك 67 - ح 1414) 4 / 1589 ، 1590 .

(2) انظر : ابن حجر ، فتح الباري 8 / 421 .

(3) النووي ، شرح صحيح مسلم 12 / 89 .

وبعد فتح مكة أعلن عليه الصلاة والسلام العفو عن عامة أهل مكة ، وهم الذين عرفوا فيما بعد بالطلقاء لمنه صلى الله عليه وسلم عليهم فلم يعاقبهم صلى الله عليه وسلم عملًا بقوله سبحانه : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } (1) ، فقد روى الترمذي عن أبي بن كعب قال : « لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة فيهم حمزة فمثلوا بهم ، فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنُرْبِيَنّ عليهم ، قال : فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله تعالى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } ، فقال رجل : لا قريش بعد اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كفوا عن القوم إلا أربعة » (2) فكانت عاقبة ذلك إسلام كثير من هؤلاء الطلقاء .

_________

(1) سورة النحل ، الآية : 126 .

(2) الجامع الصحيح ، كتاب تفسير القرآن ، باب ومن سورة النحل (ح 3128) 5 / 279 .

ومن السبل التي سلكها صلى الله عليه وسلم تأليف القلوب بالمصاهرة ، فقد روى الإمام أحمد عن عروة بن الزبير « عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس ، أو لابن عم له ، وكاتبته على نفسها ، وكانت امرأة حلوة ملاحة ، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها ، قالت : فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها ، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت ، فدخلت عليه فقالت : يا رسول الله ، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك ، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس ، أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي ، قال : " فهل لك في خير من ذلك " ؟ قالت : ما هو يا رسول الله ؟ قال : " أقضي كتابتك وأتزوجك " ، قالت : نعم يا رسول الله ، قال : " قد فعلت " ، قالت : وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث ، فقال الناس : أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسلوا ما بأيديهم ، قالت :

فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق ، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها » (1) فأعتق الناس سباياهم إكراما لها لأنها صارت من أمهات المؤمنين (2) فظهرت حكمته صلى الله عليه وسلم في هذه المصاهرة وهي تأليف هذه المرأة وتأليف قومها على الإسلام ، فحينما سارع أصحابه رضي الله عنهم بإعتاق ما في أيديهم ، وقالوا : أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم ذلك إلى الإيمان بالله ورسوله لما رأوا من الكرم وحسن الخلق (3) .

_________

(1) أحمد بن عبد الرحمن البنا ، الفتح الرباني 14 / 109 ، 110 ، وانظر : ابن هشام ، السيرة النبوية ، 3 / 185 ، 186 .

(2) انظر : أحمد البنا ، الفتح الرباني 14 / 110 .

(3) انظر : الشيخ محمد محمود الصواف ، زوجات النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات وحكمة تعددهن ص 74 ، وانظر : د . عبد الناصر توفيق العطار ، تعدد الزوجات ص 141 . .

المبحث الأول

البدء بالأقربين

حثّ الله تعالى في كتابه الكريم على دعوة الأهل ، وخصهم بذلك في أكثر من موضع فقال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } (1) .

يقول ابن كثير : " قال الضحّاك ومقاتل : حق المسلم أن يعلِّم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم ، وما نهاهم الله عنه " (2) .

_________

(1) سورة التحريم ، الآية : 6 .

(2) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، 4 / 391 .

وقال تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } (1) ، فأول واجبات الداعية أن يبدأ بدعوة أهله ، وهذا ما فعله عليه الصلاة والسلام ، فقد ابتدأ بعرض الدعوة على زوجته خديجة فقص عليها ما رأى من بدء الوحي ، ثم قال : لقد خشيت على نفسي ، فكان لها السبق في الاستجابة لدعوته ، وتأنيسه وتيسير الأمر عليه وتهوينه لديه (2) مما دل على كمالها ، وجزالة رأيها ، وقوة نفسها ، وثبات قلبها ، وعظم فقهها (3) رضي الله عنها ، وعرض دعوته على صديقه أبي بكر رضي الله عنه فآمن به ، وصدق برسالته دون تردد ، وقد بيَّن ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله : « إن الله بعثني إليكم فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت ، وواساني بنفسه وماله . . » (4) .

وعرض دعوته على ابن عمه الغلام علي بن أبي طالب ، ومولاه زيد بن حارثة ، فآمنا وصدقا ، فكان لهؤلاء الأربعة السبق إلى الإسلام ، فعلي أول من أسلم من الغلمان ، وخديجة أول من أسلم من النساء ، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي ، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار رضي الله عنهم أجمعين (5) .

_________

(1) سورة طه ، الآية : 132 .

(2) ابن حجر ، فتح الباري 1 / 37 .

(3) مسلم ، صحيح مسلم ، شرح النووي 2 / 202 .

(4) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : « لو كنت متخذا خليلًا » (ك 66 ح3461) 3 / 1339 .

(5) انظر : ابن كثير ، البداية والنهاية 3 / 28 ، 29 .

والمقصود بيانه أنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ بعرض الدعوة على أهله أولا ، فدعا زوجته وصديقه وربيبه ومولاه ، ثم دعا الأقربين ممتثلا قول الله عز وجل : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } (1) .

فأمره تعالى بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه ، ويبدأ في ذلك بمن هو أولى بالبداءة ، ثم من يليه ، وأن يقدم إنذارهم على إنذار غيرهم (2) ذلك لأن الاهتمام بشأنهم أولى وهدايتهم إلى الحق أقدم (3) فهم أحق الناس بالإحسان الديني والدنيوي (4) .

وقد قدم ابن القيم رحمه الله مرتبة دعوة الأقربين فجعلها بعد النبوة ، مما دل على أهمية البداءة بهم ، وتقديم دعوتهم على الآخرين (5) .

وقد عمل صلى الله عليه وسلم جاهدًا بعد نزول هذه الآية على دعوة أقربيه وإنذارهم ، فقد روى البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « لما نزلت { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فجعل ينادي : " يا بني فهر ، يا بني عدي . . لبطون قريش . . . » الحديث (6) .

_________

(1) سورة الشعراء ، الآية : ( 214 ) .

(2) الزمخشري ، الكشاف 3 / 231 .

(3) الشوكاني ، فتح القدير 3 / 120 .

(4) ابن سعدي ، تيسير الكريم الرحمن ، 5 / 551 .

(5) انظر : ابن القيم ، زاد المعاد 1 / 86 .

(6) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب التفسير ، باب : « وأنذر عشيرتك الأقربين » ، 4 / 1819 .

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « " لما نزلت هذه الآية : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فعمّ وخص ، فقال : يا بني كعب بن لؤي ، أنقذوا أنفسكم من النار . . . » الحديث (1) .

والنكتة في ندائه للقبائل قبل عشيرته ليكرر إنذار عشيرته ، ولدخول قريش كلها في أقاربه (2) ومما يدل على دخول قريش كلها في أقاربه ما رواه البخاري « عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله تعالى : { إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } ، فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس عجلت لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة . . . . » (3) .

واستمر صلى الله عليه وسلم ينذر أقربيه أولا ويدعوهم إلى الله تعالى ، والسر في ذلك أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم ، وإلا كانوا علة للأبعدين في الامتناع (4) فلما ظهر من جملتهم الإصرار على الكفر والعناد ، ومنعوه من تبليغ دعوة ربه ، انتقل إلى الطائف ، ودعاهم إلى الله ، ثم عاد إلى مكة ، وبدأ يعرض دعوته على القبائل ، بعد أن يتعرف عليهم .

_________

(1) مسلم ، صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب في قوله تعالى : « وأنذِر عشِيرتك الأقربين » (ك 1 ح 348 ) 1 / 192 .

(2) ابن حجر ، فتح الباري 9 / 452 .

(3) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب التفسير ، باب قوله : « إلا المودة في القربى » ، ( ك 68 ح 4541 ) 4 / 1819 .

(4) انظر : ابن حجر ، فتح الباري ، 9 / 452 .

ويستفاد من هذا التدرج مع المدعو الإلماح إلى درجات المسؤولية التي تتعلق بكل مسلم ، وبالدعاة خصوصا ، فأدنى تلك الدرجات مسؤوليته عن نفسه ، ثم عن ذوي قرباه ، ثم قومه ، وهكذا (1) .

_________

(1) انظر : د . محمد سعيد رمضان البوطي ، فقه السيرة ص 113 ، 114 .

المبحث الثاني

التعرف على المدعوين

خلق الله الناس من أصل واحد ، فأبوهم آدم وأمهم حواء عليهما السلام ، ثم جعلهم شعوبًا وقبائل ليتعارفوا (1) .

قال تعالى : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } (2) .

قوله : { لِتَعَارَفُوا } أي لتعلموا كيف تتناسبون ولتتعرفوا (3) ، يقول القرطبي : " خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى ، أنسابا وأصهارا ، وقبائل ، وشعوبًا ، وخلق لهم منها التعارف ، وجعل لهم بها التواصل " (4) ، فبالتعارف يحصل التواصل ، فيرجع كل إلى قبيلته ، ويعرف قرب القرابة منه وبعدها (5) فدلت الآية على أن معرفة الأنساب مطلوبة مشروعة ؛ لأن الله جعلهم شعوبا وقبائل لأجل ذلك (6) .

ولقد حث صلى الله عليه وسلم على التعرف على المدعوين بفعله ، فقد كان يبدأ مدعويه بالتعرف عليهم قبل دعوتهم ، فلنتأمل ما ترويه لنا كتب السيرة حيال ذلك . يذكر ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى الطائف ، وحينما ألجأته ثقيف إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة التقى غلاما لهما اسمه " عدَّاس " فماذا دار بينهما من حوار (7) ؟

_________

(1) انظر : ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، 4 / 217 ، وانظر : الشنقيطي ، أضواء البيان 7 / 635 .

(2) سورة الحجرات ، الآية : 13 .

(3) الزمخشري ، الكشاف 4 / 375 .

(4) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 4 / 217 .

(5) المرجع السابق ، وانظر : ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم 4 / 217 ، وانظر : الجصاص ، أحكام القرآن 5 / 292 .

(6) السعدي ، تيسير الكريم الرحمن 7 / 139 .

(7) انظر : ابن هشام ، السيرة النبوية 2 / 48 ، 49 .

يقول ابن إسحاق : " فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن أي أهل البلاد أنت يا عداس ؟ وما دينك ؟ قال : نصراني ، وأنا رجل من أهل نينوى (1) .

فبدأه صلى الله عليه وسلم بالتعرف على بلاده وديانته ، فكان هذا التعرف نقطة البداية في تحول هذا الرجل من دينه إلى دين الإسلام (2) .

وحينما عاد صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، وأمره الله بعرض نفسه على القبائل ، كان يأخذ معه نسابة قريش أبا بكر الصديق (3) رضي الله عنه ليقوم بمهمة تعريفه بالمدعوين ، فالتقيا وفدًا فسألهم أبو بكر : من القوم ؟ قالوا : من ربيعة (4) فتعرفا عليهم أولا ثم عرض عليهم إيواء النبي صلى الله عليه وسلم ثانيا ، ومما يدل على بداءته صلى الله عليه وسلم بالتعرف ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول : " ألا رجل يحملني إلى قومه ، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " ، قال : فأتاه رجل من بني همدان ، فقال : " ممن أنت " ؟ قال : من همدان ، قال : " فعند قومك منعة ؟ " قال : نعم . . » (5) .

فبدأ بالتعرف عليه ، ثم طلب منه المنعة ، لكن الرجل خشي أن يخفره قومه ، فوعده قابلًا .

_________

(1) ابن هشام ، السيرة النبوية 2 / 49 .

(2) انظر : المرجع السابق 2 / 49 .

(3) انظر : ابن كثير ، السيرة النبوية 1 / 437 .

(4) انظر : ابن حجر ، فتح الباري 7 / 624 .

(5) أحمد ، المسند ح 15173) 3 / 495 .

وحينما التقى صلى الله عليه وسلم وفد يثرب ، بدأهم بسؤاله : " من أنتم ؟ " قالوا : من الخزرج ، قال : " أفلا تجلسون أكلمكم ؟ ! " ، قالوا : نعم " (1) .

فكان هذا التعرف مبدأ الحوار معهم ، حيث عرض عليهم دعوته المباركة ، فأسلموا ودعوا أقوامهم ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكره صلى الله عليه وسلم (2) .

وبعد أن هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة استمر يتعرف على مدعويه من الوفود وغيرهم قبل عرض الدعوة عليهم ، من ذلك « قوله صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس حين قدموا عليه : " من القوم أو من الوفد ؟ " قالوا : ربيعة ، قال : " مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى » (3) .

وحين قدم عليه مبعوث " هرقل " بجواب رسالته صلى الله عليه وسلم وهو في تبوك بدأه بقوله : " ممن أنت ؟ يقول : فقلت : أنا أحد تنوخ ، قال : " هل لك في الإسلام ، الحنيفية ملة أبيك إبراهيم " (4) .

فتعرف عليه صلى الله عليه وسلم قبل أن يعرض عليه الإسلام ، فلما عرفه دعاه إلى الإسلام .

هذه الشواهد بينت مدى حرصه صلى الله عليه وسلم على التعرف على من يدعوهم قبل أن يعرض الدعوة عليهم ، فما الحكمة يا ترى من هذا التعرف ؟

_________

(1) انظر : ابن هشام ، السيرة النبوية 2 / 54 .

(2) انظر : ابن حجر ، فتح الباري 7 / 624 .

(3) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب الإيمان ، باب أداء الخمس من الإيمان (ك 2 ح 53 ، 1 / 29) .

(4) أحمد البنا ، الفتح الرباني 21 / 199 .

المدعو هو الإنسان في قديم الزمان وحديثه ، ولكل إنسان بلا شك خصائصه وطبيعته وتقاليده ، فالمدعوون ليسوا سواء في ملكاتهم العقلية ، واستعدادتهم الفطرية ، ولا في أخلاقهم وطباعهم وتصوراتهم ، ولا في مكاناتهم الاجتماعية (1) .

فمن الحكمة في التعرف على المدعوين إنزالهم منازلهم ، وقد أشار ابن حجر إلى هذه الحكمة بقوله : " قال ابن أبي جمرة : في قوله : " من القوم ؟ " دليل على سؤال القاصد عن نفسه ، ليعرف فينزل منزلته " (2) .

ومن الحكمة في التعرف على المدعوين تطييب نفوسهم ، وإزالة الوحشة عنها ، وذلك بالترحيب بهم ، وملاطفتهم ، والثناء عليهم في وجوههم ، إذا أمنت الفتنة (3) ، ويدل على هذه الحكمة « قوله صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس : " مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا ندامى » (4) . قال صاحب الفتح الرباني : " قال ابن أبي جمرة بشرهم بالخير عاجلًا وآجلًا ، لأن الندامة إنما تكون بالعاقبة فإذا انتفت ثبت ضدها " (5) .

ومن الحكمة في التعرف على المدعو إتاحة الفرصة للداعية في معرفة خصائصه ، وعرفه ، وطبائعه ، وطرق التأثير فيها ، وكيفية الوصول إلى إقناعها .

_________

(1) انظر : التهامي نقرة ، سيكلوجية القصة في القرآن 1 / 422 .

(2) ابن حجر ، فتح الباري 1 / 79 .

(3) انظر : المرجع السابق 1 / 179 .

(4) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب الإيمان ، باب أداء الخمس من الإيمان (ك 2 ح 53) 1 / 29 .

(5) أحمد بن عبد الرحمن البنا ، الفتح الرباني 1 / 71 .

ألا ترى « أنه صلى الله عليه وسلم ، حينما رأى سيد الأحابيش قادما عليه وهو في الحديبية ، قال : " هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له " فبعثت له واستقبله الناس يلبون » (1) .

فبمعرفته صلى الله عليه وسلم لطبيعة هذا الرجل وتقاليده استطاع إقناعه بيسر وسهولة ، حيث عاد الرجل وهو يقول : " سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت " (2) .

إذا معرفة المدعو وتقاليده وموافقته فيما يميل إليه ويهواه من المباحات عامل مهم في استمالته إلى دين الإسلام ، روت عائشة رضي الله عنها ، قالت : « رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني ، وأنا أنظر إلى الحبشة ، وهم يلعبون في المسجد ، فزجرهم عمر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دعهم أمنا بني أرفدة " يعني من الأمن » (3) .

فلم يعنف عليهم صلى الله عليه وسلم تطييبا لنفوسهم ، واستمالة لها إلى الإسلام .

_________

(1) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب الشروط ، باب الشروط في الجهاد (ك 58 ح 2581 - 582) 2 / 976 .

(2) البخاري ، صحيح البخاري ، المرجع السابق 2 / 976 .

(3) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب المناقب ، باب قصة الحبش ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « يا بني أرفدة » ( ك 65 ، ح 3337) 2 / 1298 ، 1299 .
ابو عمر المصرى
ابو عمر المصرى
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 51
نقاط : 6500
تاريخ التسجيل : 27/06/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

GMT + 7 Hours رد: التدرج

مُساهمة من طرف Zico في الإثنين 25 يوليو - 16:13

مشكور أخي نسأل الله أن ينفعك بما افدتنا به

ـــــــ-ــــــ-ـــــ-ـــــ-ــــــ-ـــــــ-ـــــ-ــــ-ــــــ-ــــــ-ـــــــ-ـــــــ-ـــــــ-

التوقيع
إني تذكــــرت والذكـــــرى مؤرقــة ******* مجداً تليداً بأيدينا أضعنـــــــــــــاه
ويح العروبة كان الكون مسرحهــا ******* فأصبحت تتوارى في زوايـــــــــــاه
أنّى اتجهت إلى الإسلام في بلد ******* تجده كالطير مقصوصاً جناحـــــاه
كم صرّفتنا يدٌ كنا نُصرّفهــــــــــا ******* وبات يحكمنا شعب ملكنــــــــــاه

يا من رأى عمر تكســــــوه بردته ******* والزيت أدم له والكوخ مـــــــــــأواه
يهتز كسرى على كرسيــــه فرقاً ******* من بأسه وملوك الروم تخشــــاه
سل المعاني عنا إننا عــــــــــرب ******* شعارنا المجد يهوانا ونهــــــــــواه

استرشد الغرب بالماضي فأرشـده ******* ونحن كان لنا ماض نسينـــــــــاه
إنّا مشينا وراء الغرب نقتبس مـــن ******* ضيائه فأصابتنا شظــايــــــــــــــاه
بالله سل خلف بحر الروم عن عرب ******* بالأمس كانوا هنا ما بالهم تاهوا
Zico
Zico
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10502
نقاط : 17533
تاريخ التسجيل : 28/05/2011
. : التدرج 706078396
. : التدرج 824184631572

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى