منتديات زنقتنا-منتديات شباب ليبيا الأحرار

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
يرجي التكرم بتسجبل الدخول إذا كنت عضو معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضو وترغب في الإنضمام إلي أسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك

إدارة المنتدي

ماذا أصابنا؟ أما لنا –في أيام الفتن-هذه- في سلفنا الصالح أسوة؟

اذهب الى الأسفل

ماذا أصابنا؟ أما لنا –في أيام الفتن-هذه- في سلفنا الصالح أسوة؟ Empty ماذا أصابنا؟ أما لنا –في أيام الفتن-هذه- في سلفنا الصالح أسوة؟

مُساهمة من طرف المدير العام في الأربعاء 2 مارس - 3:24

ماذا أصابنا؟ أما لنا –في أيام الفتن-هذه- في سلفنا الصالح أسوة؟

إن الابتلاء سنة كونية في حق الناس بعامة وأهل الإيمان منهم –بخاصة- ؛ فلا ينفك عنه كل مدع للصلاح كما قال ربنا فيقول {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} , وهي على أصناف وأنواع , ودرجات ومراتب وشعب تتفاوت بحسب نوعها ومن تقوم فيه , كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السنة النبوية (4\ 445 - 446) : "والفتن في كل زمان بحسب رجاله ؛ فالفتنة الأولى فتنة قتل عثمان -رضي الله عنه- هي أول الفتن وأعظمها , ولهذا جاء في الحديث المرفوع الذي رواه الإمام أحمد في المسند وغيره [ثلاث من نجا منهن فقد نجا موتي وقتل خليفة مضطهد بغير حق والدجال] , ولهذا جاء في حديث عمر لما سأل عن الفتنة التي تموج موج البحر وقال له حذيفة : [إن بينك وبينها بابا مغلقا ؛ فقال : أيكسر الباب أم يفتح؟ فقال : بل يكسر ؛ فقال : لو كان يفتح لكاد يعاد] وكان عمر هو الباب ؛ فقتل عمر وتولى عثمان ؛ فحدثت أسباب الفتنة في آخر خلافته حتى قتل وانفتح باب الفتنة إلى يوم القيامة , وحدث بسبب ذلك فتنة الجمل وصفين ؛ ولا يقاس رجالهما بأحد ؛ فإنهم أفضل من كل من بعدهم .
وكذلك فتنة الحرة وفتنة ابن الأشعث كان فيها من خيار التابعين من لا يقاس بهم من بعدهم , وليس في وقوع هذه الفتن في تلك الأعصار ما وجب أن أهل ذلك العصر كانوا شرا من غيرهم , بل فتنة كل زمان بحسب رجاله , وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) [خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم] , وفتن ما بعد ذلك الزمان بحسب أهله".

- والفتن وإن اختلفت في هذا كله إلا أنها مشتركة في مقصودها وهو صرف الناس عن دينهم الحق , كما قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: (الفتنة لا تجئ تهدي الناس , ولكن تجئ تقارع المؤمن عن دينه) .
فإذا وقعت لم يسلم من التلوث بها أو بآثارها إلا من صبر على دينه الذي كان عليه قبل وقوع الفتنة وفي مثل هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوى (4\50-51) : "وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك , وإن امتحنوا بأنواع المحن , وفتنوا بأنواع الفتن , وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين : كأهل الأخدود ونحوهم , وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة ؛ حتى كان مالك رحمه الله يقول : (لا تغبطوا أحدا لم يصبه في هذا الأمر بلاء) .
يقول : إن الله لا بد أن يبتلي المؤمن فإن صبر رفع درجته كما قال تعالى {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} , وقال تعالى {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} وقال تعالى {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}".

- ولقد صرنا في أزمنة قد كثرت فيها الفتن التي تموج كموج البحر , وصار فيها الناس –إلا من رحم ربي- كالكوز المجخي لا يعرف معروفا ولا ينكر بنو إلا ما أشرب من هواه , كما في حديث حذيفة من صحيح مسلم عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال : [تعرض الفتن على القلوب كالحصير : عودا عودا ؛ فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء , وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء , حتى تصير على قلبين : على أبيض مثل الصفا ؛ فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض , والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا , إلا ما أشرب من هواه] .
ولهذا فلا يستغرب من المبتدعة والعامة البعيدين عن نور الوحي والرسالة أن تكون قلوبهم منكرة للحق الذي عليه سلفنا الصالح ؛ فلا يعرفون إلا ما يوافق أهواءهم فيكون هو المعروف , وما خالفها فهو المنكر وإن لم يكن ثمة معروف سواه .
لكن المستغرب أن نجد من أتباع السلف من يخوض في بعض الفتن الواقعة على خلاف طريقة السلف في التعامل معها ؛ فيثبت أو ينفي , ويهاجم أو يدافع , ويمدح أو يقدح , بل وصل الحال ببعضهم أن يكفّر أو يلعن ؛ في فوضى عارمة ما كانت لتكون لو تأسى الجميع بما كان عليه حال السلف أيام الفتن ؛ فأحببت لأجل هذا وغيره أن أقول :

أولا : ليكن في حسبان الجميع أن الفتن إذا وقعت لم يسلم من التلوث بها أو بآثارها إلا من جمع بين وصفي (العلم والحلم) , وما تلوث بها إلا من فقد أحد الوصفين أو كلاهما :
أ- فأما العلم ؛ فهو ما دأب عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- في تحذير أمته : من الفتن , وأصنافها , وأنواعها , وما يكون فيها , وما ينجم عنها , وما هو الموقف الواجب اتخاذه فيها –كما في العديد من النصوص- , فالفتنة إذا أقبلت فإنما تجيء بصورة خداعة تدعو الناس إلى الوقوع فيها , فيغتر كثيرون من العامة والجهلاء بها , ولا يدركها على حقيقتها إلا العلماء كما قال الحسن البصري -رحمه الله- : (إن الفتنة إذا أقبلت عرفها العالم , وإذا أدبرت عرفها كل جاهل) .
وقال حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه): (لوددت أن عندي مئة رجل قلوبهم من ذهب , فأصعد على صخرة فأحدثهم حديثا لا يضرهم بعده فتنة أبدا , ثم أذهب فلا أراهم ولا يروني أبدا) .
وعن أبي إدريس الخولاني أنه قال : (إنها فتن قد أظلت كجباه البقر يهلك فيها أكثر الناس , إلا من كان يعرفها قبل ذلك) .
وبوب البخاري رحمه في صحيحه فقال: ((باب ما جاء في قول الله تعالى {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} , وما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحذر من الفتن).
وما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد قال حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما يحدثنا به أنه قال [يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل وهو خير الناس أو من خيار الناس فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر فيقولون لا فيقتله ثم يحييه فيقول والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه] ففي هذا الحديث أظهر دلالة على أن علم الرجل بأوصاف الدجال التي أخبر عنها الرسول (صلى الله عليه وسلم) كانت من أعظم أسباب وقايته من فتنته.
ورحم الله حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) إذ يقول (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني).
قال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية (4\409-410) : "أن الفتن إنما يعرف ما فيها من الشر إذا أدبرت ؛ فأما إذا أقبلت فإنها تزين ويظن أن فيها خيرا ؛ فإذا ذاق الناس ما فيها من الشر والمرارة والبلاء صار ذلك مبينا لهم مضرتها وواعظا لهم أن يعودوا في مثلها كما أنشد بعضهم:

الحرب أول ما تكون فتية *** تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها *** ولت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت *** مكروهة للشم والتقبيل
والذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا ما في القتال من الشر ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت وصارت عبرة لهم ولغيرهم".

ب- وأما الحلم : فلما فيه من التأني وعدم الاستعجال المفضي إلى التريث وعدم التهور في هدر النفس أو العرض أو المال هدرا , ولزوم الحلم والأناة وعدم العجلة في اتخاذ المواقف من موجبات المدح –لا الذم- كما دل عليه حديث المستورد القرشي: قال : [سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: تَقُومُ السَّاعةُ والرُّوم أكْثرُ النَّاس، قال: فبلغ ذلك عمرو بن العاص، فقال: ما هذه الأحاديث التي تُذكَرُ عنك أنك تقولها عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال له المستورد: قلتُ الذي سمعتُه من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال عمرو: لئن قلتَ ذلك إنهم لأحْلَمُ النَّاس عند فِتنَة، وأصْبَرُ النَّاسِ عِنْدَ مُصِيبَة، وخَيْرُ النَّاسِ لِمساكِينهِمْ وضُعَفَائِهِمْ] .
وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله- في كتاب الضوابط الشرعية لموقف المسلم في الفتن (18 - 19) : "قال أهل العلم: هذا الكلام من عمرو بن العاص لا يريد به الثناء على الروم والنصارى الكفرة , لا , ولكن ليبين للمسلمين أن بقاء الروم وكونهم أكثر الناس إلى أن تقوم الساعة لأنهم عند حدوث الفتن هم أحلم الناس , ففيهم من الحلم ما يجعلهم ينظرون إلى الأمور ويعالجونها لأجل أن لا تذهب أنفسهم ويذهب أصحابهم , هذا محصل ما قاله السنوسي والأبي في شرحهما على "صحيح مسلم" , ...... , ولهذا فإننا نعجب أن لا نأخذ بهذه الخصلة التي حمد بها عمرو بن العاص الروم , وكانت فيهم تلك الخصلة الحميدة , ونحن أولى بكل خير عند من هم سوانا , الحلم محمود في الأمر كله , فإنه يبصر عقل العاقل في الفتنة بحلمه وأناته ورفقه فيدل على تعقله وعلى بصره".
أقول : كيف والحلم محمود على كل حال كما في حديث ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال للأشج العصري : [إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والحياء] .
قال عَلي بنَ عثّام : (كانوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إذا أُمروا بالشيء تسارعوا إليه، وأمّا اليومَ فينبغي للمؤمن أنْ يتبينَ فلا يُقْدم إلا على ما يعرف) .
فكيف في أزمنة الفتن التي تستدعي السكون والأناة وعدم التحرك والتهور ؟!!

ثانيا : أين المثنون على ما يجري من فتن معاصرة على ما فيها من خفة في العقول , وطيش في السلوك , وسفك للدماء , وإتلاف للأموال , وذهاب للأمن والأمان ؛ من أحاديث النبي –صلى الله عليه وسلم- التي ذم فيها الفتن والخائضين فيها لأجل هذه الأمور , كما في :
حديث أبي موسى الاشعري عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال [أن بين يدي الساعة الهرج , قالوا : وما الهرج؟ قال : القتل , قالوا : أكثر مما نقتل؟ إنا لنقتل في العام الواحد أكثر من سبعين ألفا!! قال : إنه ليس بقتلكم المشركين , ولكن قتل بعضكم بعضا .
قالوا : ومعنا عقولنا يومئذ ؟
قال : إنه لينزع عقول أكثر أهل ذلك الزمان ويخلف له هباء من الناس ؛ يحسب أكثرهم انه على شيء وليسوا على شيء].
وعن واثلة بن الأسقع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : [أتزعمون أني من آخركم وفاة؟! ألا إني من أولكم وفاة، وتتبعوني أفنادا؛ يهلك بعضكم بعضا] .
وعن كرز بن علقمة الخزاعي قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : [أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرا أدخل عليهم الإسلام، ثم تقع الفتن كأنها الظلل، قال [رجل]: كلا والله إن شاء الله ، قال: بلى والذي نفسي بيده، ثم تعودون فيها أساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض] .
وعن حذيفة قال : [سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة؟ فقال: {علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو} ولكن أخبركم بمشاريطها، وما يكون بين يديها: إن بين يديها فتنة وهرجا. قالوا: يا رسول الله! الفتنة قد عرفناها فالهرج ما هو؟ قال: بلسان الحبشة: القتل، ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد أن يعرف أحدا] .
و عن سعيد بن زيد قال : [كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر فتنة فعظم أمرها، فقلنا أو قالوا : يا رسول الله، لئن أدركتنا هذه لتهلكنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا ، إن بحسبكم القتل؛ قال سعيد: فرأيت إخواني قتلوا].
وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) [لَيأْتينَّ على الناس زمان، لا يدري القَاتِلُ في أَيِّ شيء [قَتَلَ]، ولا يدري المقتولُ في أَي شيء قُتِلَ؟ قيل: وكيف؟ قال: الهَرْجُ، القَاتِلُ والمقتولُ في النار] مسلم.
وعن حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه): قال [كنا مع رسولِ الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: [أحصوا لي كم يَلْفِظُ الإسلام؟ فقلنا: يا رسولَ الله أتخافُ علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ قال: إنكم لا تدرون، لعلكم أن تُبْتَلوْا، فَابتُلينا، حتى جعل الرجل منَّا لا يُصَلِّي إلا سِرا] .
قال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية (4\343) : "والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء ؛ فصار الأكابر رضي الله عنهم عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها , وهذا شأن الفتن ؛ كما قال تعالى {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} .
وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله".

ثالثا : أين أنتم يا هؤلاء ..
أين أنتم يا فقهاء الواقع –زعموا- المستشرفون للفتنة يتتبعون مواردها و(قنواتها) , وينقمون –مع سوء حالهم- على العاملين بمنهج السلف فيها من العزلة وعدم الاتبراء والشموخ فيها ؛ أين هم من أثر ثعلبة بن ضبيعة قال: دَخَلْنا على حُذَيفَةَ (رضي الله عنه) فقال: [إني لأعْرِفُ رجلا لا تضره الفتنة، قلنا: من هو؟ قال صاحب ذلك الفُسطاط، قال: فخرجنا، فإذا فُسطاط مضروب، فدخلنا، فإذا فيه محمد بن مَسْلمة، فسألناه عن ذلك؟ فقال: ما أريد أن يَشْتَمِلَ عليَّ من أمصاركم شيء، حتى تنجليَ عما انجلت] .
وفي رواية عن حذيفة قال : (ما أحد من الناس تدركه الفتنة إِلا أنا أخافها عليه، إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: [لا تضركَ الفتنةُ]).
وعن عامر بن سعد: قال: [كان سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه - في إبله، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد، قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فجاء فنزل، فقال له: أنَزَلتَ في إِبلك، وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملكَ بينهم؟ فضرب سعد في صدره، وقال اسكت ، سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الله يحب العبد التَّقيَّ الغنيَّ الخفيَّ].
أين هم من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير : (لبثتُ في فتنةِ ابنِ الزبير تسعاً أو سبعاً ما أُخبرت فيها بخبر، ولا أستخبرتُ فيها عن خَبَر).
وعن بشيرُ بنُ عقبة قال : قلتٌ ليزيد بن عبد الله بن الشخير: (ما كان مُطَرِّف يصنع إذا هاج في الناس هيج؟ قال: يلزم قَعْرَ بيته، ولا يقرب لهم جمعة ولا جماعة حتى تنجِلي لهم عما انجلت).

- أين أنتم أيها الخطباء الثوريون الذين يرفعون عقيرتهم مؤيدين للفتنة وداعين إليها من من قول حذيفة بن اليمان : [إن الفتنة وكلت بثلاث: بالحاد النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه بالسيف , وبالخطيب الذي يدعو إليها , وبالسيد , فأما هذان فتبطحهما لوجوههما , وأما السيد فتبحثه حتى تبلو ما عنده] .
وأيم الله إن هذه الأصناف الثلاثة هي أصول الشر في كل فتنة , فالأول يواقع الفتنة بسيفه , والثاني يدعو إليها بلسانه , والثالث يمدها بماله.

رابعا : أين الخائضون في الفتن المعاصرة بألسنتهم أو بأبدانهم أو بزوجاتهم وأولادهم !! من أحاديث النبي –صلى الله عليه وسلم- الآمرة بوجوب الكف عن الخوض , والجلوس وعدم النهوض , وعدم الانحياز إلى صف , كما في :
حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال : [إنها ستكون فِتَن ، ألا ثم تكون فِتنة ، القاعد خير من الماشي فيها ، والماشي فيها خير من السَّاعي إليها، ألا فإذا نَزَلتْ، أوْ وَقَعتْ، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غَنَم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل: يا رسولَ الله، أرأَيت من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يَعْمِد إلى سيفِهِ فَيَدُقُّ على حَدِّه بحجر ثم لْيَنْجُ إن استطاع النجاءَ، اللهم هل بَلَّغتُ؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ قال: فقال رجل: يا رسولَ الله، أَرأَيتَ إِن أُكرِهتُ حتى يُنْطَلقِ بي إلى أحد الصفَّين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيءُ سَهْم فيقتلني؟ قال: يبوء بإِثمه وإِثمك، ويكون من أصحاب النار] أخرجه مسلم.
وكما في حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : [إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم : يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا , ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ؛ القاعد فيها خير من القائم , والقائم فيها خير من الماشي , والماشي فيها خير من الساعي , قالوا : فما تأمرنا؟ قال : كونوا أحلاس بيوتكم] .
ولحديث أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيه خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به].
وفي رواية لمسلم: قال: [تكون فتنة، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أومعاذا فليستعذ به].

- أين النازلون إلى (ميادين) الفتنة بأنفسهم وزوجاتهم وذراريهم ودخلوا فتشابكوا مع من مرجت عهودهم وخفت أماناتهم من حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال [بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الفتنة [أو ذكرت عنده] فقال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا , وشبك بين أصابعه قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة] .

- أما كان الأجدر بهؤلاء الخائضين أن يمسكوا ألسنتهم ويلزموا بيوتهم فيشتغلوا بعبادة ربهم , كما دل عليه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال [بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الفتنة [أو ذكرت عنده] فقال: [إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا -وشبك بين أصابعه- قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة] .
وحديث معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [العبادة في الهرج كهجرة إلي].
وحديث أم مالك البهزية -رضي الله عنها- قالت [ذكر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فِتْنَة، فَقَرَّبها، قالت: قلت: يا رسول الله، مَنْ خَيْرُ الناس فيها؟ قال: رجل في ماشية يُؤدِّي حقَّها، ويَعْبُدُ رَبَّهُ، ورَجُل آخِذ برأْس فَرَسِهِ يُخيفُ العَدُوّ، ويُخَوِّفونَهُ] .

- أين فقه هؤلاء الخائضين المكثرين لسواد أهل الفتن من فقه الإمام البخاري حيث بوب في صحيحه (باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم) وأرد تحته حديث محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال : (قطع على أهل المدينة بعث ؛ فاكتتبت فيه ؛ فلقيت عكرمة مولى ابن عباس ؛ فأخبرته ؛ فنهاني عن ذلك أشد النهي , ثم قال : أخبرني ابن عباس : أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل فأنزل الله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}).

- أما كان للخائضين في هذه الفتن أسوة بجماهير السلف الذين اعتزلوا ما كان من الفتن في أزمنتهم –اعتزالا مطلقا-حتى باللسان- وما ذاك إلا لكمال علمهم وحلمهم .
ألا ساروا –مثلا- على ما سار عليه التابعي الجليل (مطرف بن عبد الله بن الشخير) حيث يقول : (أتى على الناسِ زمانٌ خيرهُم في دينهم المتسارع، وسيأتي عَلَى الناس زمان خيرهم في دينهم المتأني).
وقال : (لأن يسألني ربي –عزوجل- يوم القيامة فيقول: يا مُطَرِّف ألا فعلتَ! أحبُّ إليّ مِنْ أنْ يقولَ لِمَ فَعلتَ؟).
وقال : (لأنْ آخذَ بالثقة في القعود أحب إلىّ من أن ألتمس – أو قال أطلب – فضل الجهاد بالتغرير) .
وقال –كذلك- : (لأن أبيتُ نائماً وأصبح نادماً أحب إليّ من أن أبيت قائما وأصبح معجباً).
ويقول : (لأنْ أُعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، نَظرتُ في العافيةِ فوجدتُ فيها خير الدنيا والآخر).
وعن حميدِ بنُ هلال قال: أتى مُطَرِّف بن عبد الله زمان ابن الأشعث ناسٌ يدعونه إلى قتال الحجاج فلمّا أكثروا عليه قال: أرأيتم هذا الذي تدعوني إليه هل يزيد على أن يكون جهادا في سبيل الله؟ قالوا: لا، قال: فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها، وبين فضلٍ أصيبه.
وقال حميد بن هلال : (أتى مُطَرِّف بن عبد الله الحرورية يدعونه إلى رأيهم فقال: يا هؤلاء إنه لو كان لي نفسان بايعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى، فإن كان الذي تقولون هدىً أتبعتها الأخرى، وإن كان ضلالةً هلكت نفسٌ وبقيت لي نفسٌ، ولكن هي نفسٌ واحدةٌ فلا أغرر بها).
وما هذه المواقف منه –رحمه الله- إلا بسبب حلمه وتأنيه ونظره في عاقبة ما يكون في الفتنة ؛ ولهذا قال : (إن الفتنة لا تجيء حين تجيء لتهدي الناس، ولكن لتقارع المؤمن عن دينه، ولأنْ يقول اللهُ: لِمَ لا قتلتَ فلاناً؟ أحبّ إلىّ مِنْ أنْ يقولَ: لِمَ قتلتَ فُلاناً؟).

فإن أبوا لزوم موقف مطرِّف بن عبد الله بن الشخير ؛ أما كان لهم أسوة بالحسن البصري –رحمه الله- الذي اشتهر عنه مناصحته للثائرين بالاشتغال بالدعاء وكف اليد عن الخوض في الفتن ؛ فعن سليمان بن علي الرَّبعي قال: (لما كانت الفتنة فتنة ابن الأشعث – إذ قاتل الحجاج بن يوسف – انطلقَ عقبةُ بنُ عبد الغافر وأبو الجوزاء وعبدُ الله بن غالب في نفرٍ مِنْ نظرائهم فدخلوا على الحسن فقالوا: يا أبا سعيد ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سَفَكَ الدّم الحرام، وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة وَفَعَلَ وَفَعَلَ؟ قال: وذكروا من أفعال الحجاج فقال الحسن: أرى أن لا تقاتلوه! فإنها إنْ تكن عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العلج! -قال: وهم قوم عرب- قال: وخرجوا مع ابن الأشعث قال: فقتلوا جميعاً، قال مُرّةُ بنُ ذُباب أبو المعذل: أتيتُ عَلَى عقبةَ بنِ عبد الغافر وهو صريعٌ في الخندقِ فقال: يا أبا المعذل لا دنيا ولا آخرة).
- وقال أبو التياح: شهدتُ الحسنَ وسعيدَ بن أبي الحسن حين أقبل ابنُ الأشعث وكان الحسن نهى عن الخروج إلى الحجاج ويأمر بالكف وسعيد بن أبي الحسن يحضض ثم قال سعيد فيما يقول: فما ظنك بأهل الشام إذا لقيناهم غدا فقلنا والله ما خلعنا أمير المؤمنين ولا نريد خلعه ولكنا نقمنا عليه استعماله الحجاج فاعزله عنا فلما فرغ سعيد من كلامه، تكلم الحسن فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إنه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم بالسكينة والتضرع فإن الله تعالى يقول: [وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ] {المؤمنون:76} ، وأما ما ذكرت من ظني بأهل الشام فان ظني بهم أن لو جاءوا فألقمهم الحجاج دنياه ولم يحلهم على أمر إلا ركبوه هذا ظني بهم).
– وقال سلمُ بن أبي الذيال: (سألَ رَجُلٌ الحسنَ وهو يسمعُ وأناس من أهل الشام فقال: يا أبا سعيد ما تقول في الفتن مثل يزيد بن المهلب وابن الأشعث؟ فقال: لا تكن مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء، فقال رَجُلٌ من أهل الشام: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ فغضب ثم قال بيده فخطر بها ثم قال: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد نعم ولا مع أمير المؤمنين).
– وقال الحسنُ: (لو أنَّ الناسَ إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صَبَروا ما لبثوا أن يفرج عنهم، ولكنهم يجزعون إلى السيف فيوكلون إليه، فوالله ما جاؤوا بيوم خير قط).

خامسا : إن معيار السلامة من الفتن قد أوضحه سلفنا الصالح في مواطن متعددة , ومن ذلك ما قاله أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- بعد أن ذكر حديث الفتن وما يكون فيها : (والذي نفسي بيده ما أجد لي ولكم منها مخرجا -إن أدركتني وإياكم- الا أن نخرج منها كما دخلناها لم نصب فيها دما ولا مالا) .
ورضي الله عن حذيفة حيث وضع ضابطا مهما يبين فيه علامة الذي أصابته الفتنة فقال : (من أحب منكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا؟ فلينظر! فإن كان يرى حراما ما كان يراه حلالا , أو يرى حلالا ما كان يراه حراما , فقد أصابته الفتنة) .
فلينظر كلّ منّا في نفسه من خلال تقييمه لما كان يتبناه من أحكام أتغيرت بعد الفتنة أم لا ؛ لإن كان ثابتا على ما كان عليه فليحمد الله , وإن تغيرت جراء الفتن وأحداثها فليراجع نفسه , وليعلم أن الفتنة قد أصابته .

وأما أولئكم الخائضون ؛ أما لهم أسوة بسلفنا وسلفكم وسلفهم من الذين خاضوا في بعض الفتن ؛ فما عاندوا وما كابروا , بل ندموا وراجعوا ,وتابوا وأنابوا , وأصلحوا فيما بينهم وبين ربهم , وبينهم وبين إخوانهم , وليكن حالهم كحال من قال الله تعالى فيهم {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَاد}.
وليكن له في سلفه أسوة حسنة , الذين سارع من أصابته الفتنة منهم إلى التوبة والأوبة , كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (4\410) : "ومن استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين تبين له أنه ما دخل فيها أحد ؛ فحمد عاقبة دخوله لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه , ولهذا كانت من باب المنهي عنه والإمساك عنها من المأمور به الذي قال الله فيه {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}".
وقال في منهاج السنة (4\ 316) : "فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين , وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى ؛ فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال فندم طلحة والزبير وعلي رضي الله عنهم أجمعين".
وقال -رحمه الله- في منهاج السنة (6\208-209) : "وكذلك عائشة رضي الله عنها ندمت على مسيرها إلى البصرة وكانت إذا ذكرته تبكي حتى تبل خمارها.
وكذلك طلحة ندم على ما ظن من تفريطه في نصر عثمان وعلى غير ذلك.
والزبير ندم على مسيره يوم الجمل .
وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ندم على أمور فعلها من القتال وغيره وكان يقول: (لقد عجزت عجزة لا أعتذر سوف أكيس بعدها وأستمر وأجمع الرأي الشتيت المنتشر) .
وكان يقول ليالي صفين : (لله در مقام قامه عبد الله بن عمر وسعد ابن مالك إن كان برا إن أجره لعظيم وإن كان إثما إن خطره ليسير) .
وكان يقول : (يا حسن يا حسن ما ظن أبوك أن الأمر يبلغ إلى هذا ود أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة) .
ولما رجع من صفين تغير كلامه وكان يقول: (لا تكرهوا إمارة معاوية فلو قد فقدتموه لرأيتم الرؤوس تتطاير عن كواهلها) .
وقد روى هذا عن علي رضي الله عنه من وجهين أو ثلاثة وتواترت الآثار بكراهته الأحوال في آخر الأمر ورؤيته اختلاف الناس وتفرقهم وكثرة الشر الذي أوجب أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما فعل ما فعل".
وقال حمادُ بنُ زيد : (ذَكَرَ أيوبُ السختياني القُرّاء الذين خرجوا مع بن الأشعث فقال: لا أعلم أحدا منهم قُتِلَ إلا قد رُغِبَ عَنْ مَصْرَعِهِ، ولا نجا أحدٌ منهم إلا حَمِدَ اللهَ الذي سلّمه، وَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنه).
وقال محمد بن طلحة: (رآني زُبيد مع العلاء بن عبد الكريم ونحن نضحك فقال: لو شهدتَ الجماجم ما ضحكتَ، ولوددتُ أنَّ يدي – أو قال: يميني – قطعت من العضد وأني لم أكن شهدتُ).
وقال عُقبةُ بنُ إسحاقَ: (كَانَ منصورُ بنُ المعتمر يختلفُ إلى زُبيد فذكر أنَّ أهلَ البيت يُقَتّلُون – يريده على الخروج مع زيد بن علي – فقال زُبيد: ما أنا بخارجٍ إلاَّ مَعَ نبي، وما أنا بواجده).
قال مالكُ بنُ دينار: (لقيتُ معبد الجهني بمكة بعد ابن الأشعث وهو جريح، وقد قاتل الحجاج في المواطن كلها، فقال: لقيتُ الفقهاءَ والناسَ، لم أر مثل الحسن، يا ليتنا أطعناه، كأنه نادم على قتال الحجاج).
وقال أيوب عن أبي قلابة قال: (لما أنجلت فتنة ابن الأشعت كنا في مجلس ومعنا مسلم بن يسار، فقال مسلم: الحمد لله الذي أنجاني من هذه الفتنة، فوالله ما رميتُ فيها بسهم، ولا طعنتُ فيها برمح، ولا ضربت فيها بسيف، قال أبو قلابة: فقلتُ له: فما ظنك يا مسلم بجاهل نظر إليك فقال: والله ما قام مسلم بن يسار سيّد القراء هذا المقام إلا وهو يراه عليه حقاً فقاتل حتى قُتِلَ قال: فبكى والذي نفسي بيده حتى تمنيت أني لم أكن قلتُ شيئا).
وقال عبد الله بن عون: كان مسلم بن يسار لا يفضل عليه أحدٌ في ذلك الزمان حتى فعل تلك الفعلة، فلقيه أبو قلابة فقال: والله لا أعود أبدا، فقال أبو قلابة: إنْ شاء الله، فتلا أبو قلابة [إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ] {الأعراف:155} ؛ فأرسلَ مسلمٌ عينيه).
وقال الشعبيُّ – لما أُدخل عَلَى الحجّاج، وكان قد شارك في الفتنة– Sadقَدِ اكْتَحَلْنَا بَعْدَكَ السَّهَرَ، وَتَحَلَّسْنَا الخَوْفَ،وَخَبَطتنا فتنةٌ لَمْ نَكُنْ فيها بَرَرَةً أَتْقِيَاءَ، وَلاَ فَجَرَةً أَقْوِيَاءَ).
ولمَّا أُتي بفيروز بن الحصين إلى الحجاج قال له : (أبا عثمان!! ما أخرجك مع هؤلاء؟فقال: أيها الأمير فتنة عمت، فأمر به الحجاج فضربت عنقه).

سادسا : أين أنتم أيها المتصدون لتصنيف السلفيين -تبعا لمواقفهم في الفتنة المعاصرة- من السلف الذين أهدروا ما كان من معاصريهم من مواقف في الفتن ؛ كموقفهم ممن خرجوا في فتنة ابن الأشعث مؤيدين له بالسيف والسنان ؛ وفيهم أئمة أعلام , كما قال ابنُ كثير في البداية والنهاية (12/347) عند ذكره لحوادث سنة ثلاث وثمانين : "وفيها فقد جماعة من القراء والعلماء الذين كانوا مع الأشعث: منهم من هرب، ومنهم من قُتل في المعركة، ومنهم من أُسر فضرب الحجاج عنقه، ومنهم من تتبعه الحجاج حتى قتله، وقد سمي منهم خليفةُ بنُ خياط طائفة من الأعيان فمنهم – وسمّاهم..ومنهم – ومن أهل الكوفة: سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد، والشعبي، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، والمعرور بن سويد، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وأبو البختري، وطلحة بن مصرف، وزبيد بن الحارث الياميان، وعطاء بن السائب...".
بل وبعض هؤلاء كان إلى جانب مشاركته لابن الأشعث في فتنته يرى كفر الحجاج الذي خرجوا عليه ؛ كما قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (2\185) : "وقال زاذان : (كان مفلسا من دينه) , وقال طاوس : (عجبت لمن يسميه مؤمنا) , وكفره جماعة منهم : سعيد بن جبير , والنخعي , ومجاهد , وعاصم بن أبي النجود , والشعبي وغيرهم".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (10\6) : " كان الحجاج عند جمهور العلماء أهلا أن لا يروى عنه ولا يؤثر حديثه ولا يذكر بخير لسوء سره وإفراطه في الظلم ومن أهل العلم طائفة تكفره وقد ذكرنا أخبارهم فيه بذلك في باب مفرد له".
وقال الشعبي عن الحجاج : (أشهد أنه مؤمن بالطاغوت كافر بالله -يعني : الحجاج-).
ومع ذلك فلم لم نجد من السلف من تصدى لتصنيفهم تبعا لمواقفهم في تلك الفتن , ولا هم صنفوا مخالفيهم , بل قد قال الزهري : (وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متوافرون ؛ فأجمعوا : أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القران ؛ فإنه هدر -أنزلوهم منزلة الجاهلية-).
وقال شيخ الإسلام مفصلا لهذا التأصيل المحكم في منهاج السنة (4/ 546 – 548) ومبينا خطأ المصنفين للمواقعين للفتن من أهل العلم والدين : "والفتنة هي من جنس الجاهلية كما قال الزهري : (وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون ؛ فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القران ؛ فإنه هدر -أنزلوهم منزلة الجاهلية-).
وذلك أن الله تعالى بعث محمدا -صلى الله عليه وسلم- بالهدى ودين الحق ؛ فبالهدى يعرف الحق وبدين الحق يقصد الخير ويعمل به فلا بد من علم بالحق وقصد له وقدرة عليه , والفتنة تضاد ذلك ؛ فإنها تمنع : معرفة الحق , أو قصده , أو القدرة عليه ؛ فيكون فيها من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل حتى لا يتميز لكثير من الناس , أو أكثرهم .
ويكون فيه من الأهواء والشهوات ما يمنع قصد الحق وإرادته .
ويكون فيها من ظهور قوة الشر ما يضعف القدرة على الخير .
ولهذا ينكر الإنسان قلبه عند الفتنة ؛ فيرد على القلوب ما يمنعها من معرفة الحق وقصده , ولهذا يقال فتنة عمياء صماء , ويقال فتن كقطع الليل المظلم , ونحو ذلك من الألفاظ التي يتبين ظهور الجهل فيها وخفاء العلم .
فلهذا كان أهلها بمنزلة أهل الجاهلية , ولهذا لا تضمن فيها النفوس والأموال لأن الضمان يكون لم يعرف أنه أتلف نفس غيره أو ماله بغير حق .
فأما من لم يعرف ذلك كأهل الجاهلية من الكفار والمرتدين والبغاة المتأولين ؛ فلا يعرفون ذلك فلا ضمان عليهم كما لا يضمن من علم أنه أتلفه بحق .
وإن كان هذا مثابا مصيبا وذلك من أهل الجاهلية :
إما أن يتوبوا من تلك الجهالة فيغفر لهم بالتوبة جاهليتهم وما كان فيها .
وإما أن يكونوا ممن يستحق العذاب على الجهالة كالكفار ؛ فهؤلاء حسبهم عذاب الله في الآخرة .
وإما أن يكون أحدهم متأولا مجتهدا مخطئا فهؤلاء إذا غفر لهم خطؤهم غفر لهم موجبات الخطأ أيضا".
ونختم بما قاله –رحمه الله- في منهاج السنة (4\538-544) محللا لأسباب خوض بعض السلف في الفتن , وناقضا لقول من تصدى لتصنيفهم –بغيا وعدوانا- بكلام ماتع بديع ينطبق تماما على ما نعايشه من فتن معاصرة , حيث قال : "من يقاتل على اعتقاد رأي يدعو إليه مخالف للسنة والجماعة كأهل الجمل وصفين والحرة والجماجم وغيرهم لكن يظن أنه بالقتال تحصل المصلحة المطلوبة ؛ فلا يحصل بالقتال ذلك بل تعظم المفسدة أكثر مما كانت ؛ فيتبين لهم في آخر الأمر ما كان الشارع دل عليه من أول الأمر.
وفيهم من لم تبلغه نصوص الشارع , أو لم تثبت عنده .
وفيهم من يظنها منسوخة كابن حزم .
وفيهم من يتأولها كما يجري لكثير من المجتهدين في كثير من النصوص .
فإن بهذه الوجوه الثلاثة يترك من يترك من أهل الاستدلال العمل ببعض النصوص : إما أن لا يعتقد ثبوتها عن النبي -صلى الله عليه و سلم- , وإما أن يعتقدها غير دالة على مورد الاستدلال , وإما أن يعتقدها منسوخة .
ومما ينبغي أن يعلم أن أسباب هذه الفتن تكون مشتركة فيرد على القلوب من الواردات ما يمنع القلوب عن معرفة الحق وقصده ولهذا تكون بمنزلة الجاهلية , والجاهلية ليس فيها معرفة الحق ولا قصده , والإسلام جاء بالعلم النافع والعمل الصالح ؛ بمعرفة الحق وقصده .
فيتفق أن بعض الولاة يظلم باستئثار ؛ فلا تصبر النفوس على ظلمة , ولا يمكنها دفع ظلمة إلا بما هو أعظم فسادا منه , ولكن لأجل محبة الإنسان لأخذ حقه ودفع الظلم عنه لا ينظر في الفساد العام الذي يتولد عن فعله , ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : [إنكم ستلقون بعدي أثرة فأصبروا حتى تلقوني على الحوض] .... .
فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلمين بأن يصبروا على الاستئثار عليهم , وأن يطيعوا ولاة أمورهم -وإن استأثروا عليهم- , وأن لا ينازعوهم الأمر .
وكثير ممن خرج على ولاة الأمور أو أكثرهم إنما خرج لينازعهم مع استئثارهم عليه ولم يصبروا على الاستئثار , ثم إنه يكون لولي الأمر ذنوب أخرى ؛ فيبقى بغضه لاستئثاره يعظم تلك السيئات , ويبقى المقاتل له ظانا أنه يقاتله لئلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله , ومن أعظم ما حركه عليه طلب غرضه إما ولاية وإما مال كما قال تعالى {فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} .
وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : [ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل على فضل ماء يمنعه من ابن السبيل ؛ يقول الله له يوم القيامة اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك , ورجل بايع إماما لا يباعه إلا لدنيا إن أعطاه منها رضي وإن منعه سخط , ورجل حلف على سلعة بعد العصر كاذبا لقد أعطى بها أكثر مما أعطي] .
فإذا اتفق من هذه الجهة شبهة وشهوة , ومن هذه الجهة شهوة وشبهة قامت الفتنة , والشارع أمر كل إنسان بما هو المصلحة له وللمسلمين ؛ فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم حتى قال [ما من راع يسترعيه الله رعية يموت يوم وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه رائحة الجنة] .
وأمر الرعية بالطاعة والنصح كما ثبت في الحديث الصحيح : [الدين النصيحة ثلاثا قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم] .
وأمر بالصبر على استئثارهم , ونهى عن مقاتلتهم ومنازعتهم الأمر مع ظلمهم ؛ لأن الفساد الناشئ من القتال في الفتنة أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر ؛ فلا يزال أخف الفسادين بأعظمهما .
ومن تدبر الكتاب والسنة الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واعتبر ذلك بما يجده في نفسه وفي الآفاق علم تحقيق قول الله تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} .
فإن الله تعالى يري عباده آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن القران حق ؛ فخبره صدق , وأمره عدل , وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم .
ومما يتعلق بهذا الباب : أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة أهل البيت وغيرهم قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن , ونوع من الهوى الخفي ؛ فيحصل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعه فيه , وإن كان من أولياء الله المتقين .
ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين طائفة تعظمه ؛ فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه .
وطائفة تذمه ؛ فتجعل ذلك قادحا في ولايته وتقواه بل في بره وكونه من أهل الجنة , بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان وكلا هذين الطرفين فاسد .
والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا .
ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه ؛ فيعظم الحق , ويرحم الخلق ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات ؛ فيحمد ويذم , ويثاب ويعاقب , ويحب من وجه ويبغض من وجه , هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم
".


__________________
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الرد على البكري (2\705) : "فغير الرسول صلى الله وعليه وسلم إذا عبر بعبارة موهمة مقرونة بما يزيل الإيهام كان هذا سائغا باتفاق أهل الإسلام .
وأيضا : فالوهم إذا كان لسوء فهم المستمع لا لتفريط المتكلمين لم يكن على المتكلم بذلك بأس ولا يشترط في العلماء إذا تكلموا في العلم أن لا يتوهم متوهم من ألفاظهم خلاف مرادهم , بل ما زال الناس يتوهمون من أقوال الناس خلاف مرادهم ولا يقدح ذلك في المتكلمين بالحق"





منقول
المدير العام
المدير العام
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 654
نقاط : 7782
تاريخ التسجيل : 26/02/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ماذا أصابنا؟ أما لنا –في أيام الفتن-هذه- في سلفنا الصالح أسوة؟ Empty رد: ماذا أصابنا؟ أما لنا –في أيام الفتن-هذه- في سلفنا الصالح أسوة؟

مُساهمة من طرف ليبيا1969 في الأربعاء 2 مارس - 22:15

بارك الله فيك
avatar
ليبيا1969
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 156
نقاط : 6986
تاريخ التسجيل : 26/02/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى