منتديات زنقتنا-منتديات شباب ليبيا الأحرار

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
يرجي التكرم بتسجبل الدخول إذا كنت عضو معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضو وترغب في الإنضمام إلي أسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك

إدارة المنتدي

أصحاب السبت.. اللّعنة بعد المعصية

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

اذهب الى الأسفل

هود.. أول من تكلم العربية

مُساهمة من طرف الشابي في السبت 26 يوليو - 12:34

   

    بقلم- محمد الكمالي


القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف: 101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ).

وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر، قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111)، فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120). وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

بعد أن أغرق الطوفان أهل الأرض جميعاً، لم ينج منهم أحد سوى نوح عليه السلام، ومن كان معه على السفينة، ولم يبق على الأرض غيره عليه السلام وذريته، وشاء الله تعالى أن يكتب العقم على من كان معه من الرجال، ليكون أهل الأرض كلهم من ذريته، حتى سمي «آدم الثاني».

وعندما توفي عليه السلام، كان له ثلاثة أبناء، هم سام وحام ويافث، ومن ذريتهم تناسل العالم، فكانت بدايتهم على التوحيد والإيمان، لكن لما طال عليهم العهد به عليه السلام، وتعاقبت الأجيال، أخذ الجهل يدب في البشرية، وراح الشيطان يزين لهم الشرك، ويبعدهم عن عبادة الله، وأول من زين لهم الشيطان وعبدوا الأصنام بعد الطوفان، هم قوم عاد، وهم العرب الذين سكنوا منطقة يقال لها «إرم» من بلاد الأحقاف، وهي منطقة بين جبال حضرموت من أرض اليمن وعُمان، وكان قوم عاد يسكنون في الخيام الضخمة التي تثبت بالأعمدة، وتبهر الناظر إليها، يقول الله تعالى في وصفها: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بعاد * إِرَمَ ذَاتِ العماد * الَّتِي لَمْ يُخلق مِثْلُهَا فِي البلاد}.

هود ودعوة عاد

أرسل الله تعالى إلى قوم عاد، نبياً من ذرية سام بن نوح، وهو هود عليه السلام، وقيل إن عمره كان في ذلك الزمان 40 عاماً، وإنه أول من تكلم العربية، وهو من الأنبياء العرب، فبدأ يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عن عبادة الأصنام، ومن الشرك بالله تعالى، وذكر القرآن الكريم تحاوره مع قومه ودعوته لهم، وجوابهم له، في قوله عز وجل: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ* قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ* قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ* أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ *وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً * فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

إذاً، هود عليه السلام، ذكر قومه بفضل الله عليهم من القوة والنعمة الكبيرة، بعد أن أهلك قوم نوح، فكان شأنهم معه التكذيب والجحود بتلك النعم، بحجة ما يعتذر به كثير من الأمم التي رفضت الإسلام لاتباعهم نهج آبائهم، وإن كانوا على ضلال، فقالوا: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا * فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}، وأنكروا أن يبعث الله تعالى رجلاً منهم فيصطفيه بالرسالة، فقالوا: {مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ* وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ* هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ* إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ* إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ}.

وقالوا: {يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}، بل اعتبروا أن ما يقوله ضرب من الجنون عاقبته به هذه الأصنام لأنه رفض عبادتها قالوا: {إِن نّقُولُ إِلاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ}، فتحداهم أن تضره آلهتهم التي يعبدونها، وتبرأ منها، {قَالَ إِنّيَ أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُوَاْ أَنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمّ لاَ تُنظِرُونِ }، فلم يستطيعوا فعل شيء له، كون هذه الأصنام لا تضر بشيء، ولم يكن لها عليه سلطان، لكن العناد والغفلة ووسوسة الشيطان، حالت جميعها دون إسلامهم، أو رجوعهم إلى دين الله تعالى.

الهلاك بعد الإخفاق

بعد أن حاول معهم عليه السلام غير مرة من أجل إقناعهم برسالته، والالتزام بما جاء به من الدعوة، ليعودوا إلى دين الله، أخذ يدعو الله أن يريهم من العذاب ما ينتصر به، ويعلمون أنه الحق، فرفع هود عليه السلام يده ودعا، {قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} فاستجاب الله دعاءه وقال: {عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ}، فكانت بداية عذابهم أن جدبت الأرض، وقحطت، فلم ينزل عليهم المطر، وجف الزرع، وقلَّ الماء، بالرغم من أن المنطقة التي كانوا يسكنونها مشهورة بالخضرة والأمطار، حيث يذكر أنها تقع بالقرب من ثمريت في محافظة صلالة العمانية، على حدود اليمن، المشتهرة بالخضرة، وخصوبة الأرض، ودام هذا الجفاف مدة سنتين كاملتين، قبل أن يرسل الله إليهم ثلاث سحابات: الأولى سوداء مظلمة، والثانية حمراء، والثالثة بيضاء، ثم خيرهم بينها، فاختاروا الأولى، ظناً منهم أنها حبلى بالمطر والخير، ولم يعرفوا أنها كانت تحمل الرماد والعذاب الشديد من الله تعالى.

وأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا رأى سحاباً ترك ما هو فيه، حَتَّى يَسْتَقْبِلَهُ فَيَقُولُ : «اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ»، وقد تعجبت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها من حال النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى سحاباً، وكانت تقول: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته بدت في وجهك الكراهية؟ فقال: يا عائشة ما يؤمِّنني أن يكون فيه عذاب؟ فإذا نزل المطر استبشر عليه الصلاة والسلام بأن هذه السحابة سحابة رحمة، على اعتبار أن المطر رحمة، وكان إذا نزل المطر حسر عن ثوبه ويديه ليمسهما المطر، ويقول إنه حديث عهد بربه.

عاد وسحابة العذاب

اختار قوم عاد السحابة السوداء ظناً منهم أنها سحابة المطر، فاعتزلهم هود عليه السلام ومن معه من المؤمنين، لأنه يعرف أنها سحابة فيها العذاب، وكانت نتيجة ما استعجلوه عندما تحدوا نبيهم، وقالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين، وهكذا يعطينا الله تعالى درساً بأن لا يتمنى الإنسان نزول البلاء، أو يتحدى الله تعالى ويبارزه بالمعاصي، لأنه سبحانه جل شأنه يمهل ولا يهمل، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

وبعد أن اختار قوم عاد السحابة السوداء، جاءتهم، ووقفت فوق ديارهم 7 ليال وثمانية أيام متتابعات، تريهم فيها أصناف العذاب، فكانت تدمر كل شيء، وتقلع البيوت وتكسر الأبواب، ويطير منها البشر والدواب، فتأخذ الرجل فترفعه في الهواء ثم تضربه من رأسه فتدفنه في الرمال، حتى إن أجسادهم بدت وكأنها جذوع نخل ميتة، كما قال الله تعالى فيها: {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}، وقد سماها الله تعالى الريح العقيم التي لا يأتي منها خير، قال جل في علاه: {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم* ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} أي كالشيء الهالك البالي.

وهكذا دمرهم الله تعالى، ولم يبق منهم أحداً، وبقيت مساكنهم شاهدة عليهم، وعبرة لكل متكبر لا يؤمن بالله تعالى،: {فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}، وقيل إن هوداً عليه السلام عاش بعد هلاك قومه 150 عاماً.

avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10307
نقاط : 30103
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أصحاب السبت.. اللّعنة بعد المعصية

مُساهمة من طرف fawzi zertit في السبت 26 يوليو - 23:19

Thump up  gg ما شاء الله بارك الله فيك و جعلها الله في ميزان حسناتك 

آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ( 285 ) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ( 286 ) ) 

ـــــــ-ــــــ-ـــــ-ـــــ-ــــــ-ـــــــ-ـــــ-ــــ-ــــــ-ــــــ-ـــــــ-ـــــــ-ـــــــ-

التوقيع
avatar
fawzi zertit
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 9107
نقاط : 16007
تاريخ التسجيل : 02/06/2011
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قابيل وهابيل.. الجريمة الأولى على الأرض

مُساهمة من طرف الشابي في الأحد 27 يوليو - 0:11

القتل أول جريمة لبني آدم على الأرض، وقد كان سببُها السببَ ذاتَه الذي أخرج آدم من الجنة، وهو الحسد، فوقع من ابنيْ آدم ما حذر الله منه، وما توعد به إبليس في حربه، وسنتعرف من خلال تحليل تفاصيل هذه القصَّة إلى العدوِّ الأكبر للإنسان، والذي يفوق في خطورته عداوة الشيطان، ألا وهو النفسُ البشريَّة الأمَّارة بالسُّوء.
السَّرد القرآنيُّ
قال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) [المائدة: 27-32].
التصور التفسيري
تصوُّر لنا كتبُ التفسير أنَّ الصِّراعَ الذي دارَ بين ابنَي آدم (قابِيل وهابِيل) كان عاطفيّاً، ناشئاً عن عدم رضا الأخ الأكبر (قابِيل) بالزَّواجِ من شقيقةِ الأصغر (هابِيل)؛ لعَدم اقتناعه بجمال مظهرها الخارجيِّ، ولرغبته في الزَّواج من شقيقته الجميلةـ وذَكَر المفسرون أنَّ حوَّاء كانت تُنجب في كلِّ بطنٍ تَوأماً من ذَكَرٍ وأُنثى، وكان محرماً على أبناء البطن الواحد الزواج ببعضهما البعض..
ومن هنا نشأ أصلُ الاختلاف بين الأَخوَين، وأنَّهما قرَّرا أن يقرِّبا قرباناً؛ ليُظهر بقَبوله مَن منهما الذي يستحقُّ الزواجَ من الشقيقة الجميلة، فقام (قابِيل) - وكان صاحبَ زَرعٍ- بتَقريب حفنةٍ من طعامٍ رديءٍ، وقام (هابِيل) وكان راعي غنمٍ بتَقريب أفضل ما عندَه من الغَنَم، فنَزلت نارٌ من السماء فأكلت قربانَ (هابيل) وتركت قربان (قابيل)؛ فقَتَل (قابيل) أخاه (هابيل) حسداً وغيرة، ثمَّ إنَّ (قابيل) بقي يحمل جثَّةَ أخيه ولا يعرف ماذا يفعل بها مدَّة من الزمن، حتَّى بعث الله تعالى إليه غُرابَيْن أَخَوين فاقتتلا أمامَ نَظَره، ثمَّ قام الغرابُ القاتل بحفر حفرةٍ في الأرض دَفن فيها أخاه المقتول؛ فندم (قابيل) عندَ رؤيته لذلك على قَتله لأخيه.
واعتَمد المفسِّرون في سِياق هذه التفاصيل على الرِّوايات الإسرائيليَّة وما يماثلها؛ حيث انعدمَ وجودُ النصِّ النبويِّ الشَّريف المبيِّن لتفاصيل أحداث هذه القصَّة، وهو أمرٌ يدعو المطالعَ للتوقُّف عندَه ليدركَ ما فيه من رسالةٍ واضحةٍ بأنَّ النصَّ القرآنيَّ في هذه القصَّة غيرُ محتاجٍ لمزيد من البيان والتفصيل، وأنَّه كافٍ لتوضيح أبعادها عندَ مَن يعقل ويفهم لغةَ القرآن.
تحليل التفاصيل
يتجلى فهمُ السرد القرآنيِّ لتفاصيل هذه القصَّة من خلال تحليل مكوِّناتها الخمسة، ومعرفة النصوص الشرعيَّة الدقيقة الموضِّحة لأبعاد كلِّ مكوِّنٍ منها، وهي:
أولاً- مكانة القربان ودلالته. يوضِّح الله تعالى لنا مكانة القربان ودلالته بقوله: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183]، وكان بنو إسرائيلَ يُطالبون الأنبياءَ بذلك الدليل؛ لأنَّ الأنبياءَ الذين كانوا يُبعَثون إليهم كانوا يسوسونهم كملوكٍ لهم لا كأنبياء فحَسب؛ يقول صلَّى الله عليه وسلَّم:
(كانت بنو إسرائيلَ تَسُوسُهم الأَنبياءُ، كلَّما هَلك نبيٌّ خَلَفه نبيٌّ)، وواضحٌ من استخدام صيغة الفعل المضارع في قوله تعالى: {ولم يُتَقبَّل من الآخَر} أنَّ القاتلَ حاول إشعالَ النار في قربانه أكثرَ من مرَّةٍ، وأنَّ النارَ كانت تنطفئُ، ويُرفَض قربانُه في كلِّ مرَّةٍ.
ثانياً- القتل أخطر جريمة. القتل هو الاعتداء على الناس بإزهاق أنفسهم بلا مبرر شرعي، وقد جرَّم القرآن فاعلها، وغلظ في النكير عليه، ولذلك أوجد الله القصاص للمحافظة على قداسة النفس من تطاول الإنسان عليه، فمن علم أنه لو قتل سيقتل، فإن ذلك سيردعه من التطلع لذلك.
ثالثاً- دوافع القتل الكبرى. ما يزيد هذه القضيَّة وضوحاً، هو أنَّ الله تعالى أشار إلى أنَّ القتلَ وسَفكَ الدِّماء سيكون على الأرض بسبب الصِّراع على السُّلطة والخلافة؛ حيث قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، وهذه الآيةُ تدلُّنا على أنَّ هذه القصَّة وقعت بعدَ وفاة سيِّدنا آدم عليه السلام؛ إذ ارتبط القتلُ فيها مع صفة الخلافةِ، مِمَّا يدلُّ على أنَّ الصراعَ سيبدأ مع أوَّل مَن يتَّصف بصفة الخَلَف بعدَ آدم، وهو منطبقٌ على ابنَيه، والله أعلم.
رابعاً- تناقض شخصية القتيل مع شخصيَّة القاتل. بيَّن لنا رسولنا الكريم الصِّفات المُميِّزة لأهل الجنَّة، ووضَّح العيوب الكاشفة لأهل النار من أبناء الدُّنيا، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: (ألَا أُخبركم بأهل الجنَّة: كلُّ ضَعيفٍ متضعَّفٍ، لو أَقسم على الله لأبرَّه. ألَا أُخبرُكم بأهل النار: كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُستَكبرٍ)، وفي روايةٍ أُخرى: (كلُّ جَعْظَريٍّ جَوَّاظٍ مُستَكبرٍ جَمَّاعٍ مَـنَّاعٍ) ..
وقد عرَّف صلَّى الله عليه وسلَّم معنى التكبُّر فقال: (الكِبرُ: بَطَرُ الحقِّ، وغَمطُ الناسِ) وفي روايةٍ: (سَفَهُ الحقِّ، وغَمْصُ الناسِ). أو: (غَمص) الناس معناه: انتقاصهم والازدراء بهم والتعاظُم عليهم واستصغارهم، وازدراءُ القاتل لأخيه المقتول واضحٌ في السياق القرآنيِّ للقصَّة؛ إذ أنَّه ما خاطبَ أخاه إلَّا بكلمةٍ واحدةٍ فقط: (لأقتلنَّك)؛ وهي دالَّة على بلوغه الغاية القصوى في التعجرف والتكبُّر واحتقار أخيه.
ولمَّا كانت نفسُ القاتل مركَّبة من مجموع هذه الصِّفات الذميمة؛ لذلك طوَّعت له قَتلَ أخيه والتخلُّصَ منه، وهذا يرشدنا إلى خطورة النفس البشريَّة الأمَّارة بالسُّوء.
خامساً- اختيار الفعل {طَوَّعت}. وهذا الفعل يرشدنا إلى روح التطرُّف الدِّينيِّ عندَ القاتل؛ لأنَّه فعل مشتقٌّ من (الطاعة)، ومعناه: أنَّ نفسَه قد صوَّرت له أنَّ قتلَه لأخيه من أعمال الطاعةِ، والله أعلم.
سادساً- طبائع الغراب الخاصَّة. عُرف الغرابُ بكونه طائراً اجتماعيّاً لا يعيش بمفردِه، منظَّماً في حياته؛ فقد لاحَظَ عليه القدماءُ أنَّه يدفن موتاه، وظنُّوا أنَّ هذا ما علَّمه لابن آدم، ولا نعتقد ذلك؛ لأنَّ الله تعالى ذكرَ في سرد القصَّة غراباً واحداً فقط، ولأنَّه سبحانه قال: {يبحث في الأرض}، والبحث هو التفتيش بالنَّظر عن الشيء الخفيِّ لاستخراجه من مكمنه لا لإخفائِه؛ فهذا الفعل مناقضٌ تماماً لمعنى الدفن، كما أنَّ تعليمَ القاتل كيفية دَفن القتيل لا يردعه عن ارتكاب الجريمة مجدَّداً، ناهيكَ عن الندم عليها، بل يحرِّضه على ارتكاب المزيد؛ لأنَّ في ذلك إرشاداً له إلى كيفية التخلُّص من الآثار المادِّية لجريمته. فما الذي اكتشفه ابن آدم القاتل في سلوك ذلك الغراب؟
ما أثبتته الدراسات الميدانيَّة المعاصرة هو أنَّ الغرابَ يتفرَّد عن سواه من الطيور بكونه الطائرَ الاجتماعيَّ الوحيد الذي يحرص على رعاية الفِراخ اليتيمة والمُعاقة جسديّاً، بل وحتَّى الكسولة منها، بما فيها أنواع الطيور الأخرى، وأنَّه يوفِّر لها لقمةَ العيش عن طريق تشكيل لجانٍ مختصَّة لرعايتها، ومن بين أعضاء هذه اللِّجان غرابٌ يسمَّى: (المتسكِّع) تنحصر مهمَّته في التفتيش عن فضلات الطعام المنتشرة على الأرض..
فيلتقطها ليغذِّي بها الفراخَ الجائعة، وهذا الغراب هو الذي نعتقد جازمين بأنَّ القاتلَ قد راقبَه وتفاجأ بتصرُّفه وهو يراه يلتقط الطعام ويزقُّ به الفراخَ الضعيفة القريبة منه والغريبةَ عنه على حدٍّ سواءٍ، وهذا التصرُّف هو الذي جعله يندم على تهوُّره بقتل أخيه وعدم قيامه بواجبه من نصرة أخيه، ومعونته بالحقِّ على القيام بواجب الخلافة الصحيحة. والله أعلم
avatar
الشابي
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 10307
نقاط : 30103
تاريخ التسجيل : 29/04/2014
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أصحاب السبت.. اللّعنة بعد المعصية

مُساهمة من طرف عبد الحميد الجزائري في الأحد 27 يوليو - 4:55

الاطاحة بالقذافي
حسد
العبث بممتلكات الشعب الليبي
حسد
الربيع العربي في ليبيا حسد
حسدوكم على النعم الي كنتم فيها حسدوكم على الامن و الاستقرار حسدوكم على القيادة الثورية حسدوكم و كاين الي حسد روحو
avatar
عبد الحميد الجزائري
 
 

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 842
نقاط : 3815
تاريخ التسجيل : 15/07/2014
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى