منتديات زنقتنا-منتديات شباب ليبيا الأحرار

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
يرجي التكرم بتسجبل الدخول إذا كنت عضو معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضو وترغب في الإنضمام إلي أسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك

إدارة المنتدي

الزهرة العجيبة

اذهب الى الأسفل

الزهرة العجيبة

مُساهمة من طرف سفانة في السبت 21 سبتمبر - 12:27

ح
الزّهـرة العجيبـة

كان الأمجدُ رجلاً صالحًا يُحِبُّ العَمَلَ و الاجْتِهادَ. فكان يُمْضِي وَقْتَ فَراغِهِ في حَدِيقتِهِ المَنْزِلِيَةِ، يَتَفانَى في العِنايَةِ بِها حتّى أَصْبَحَتْ حَدِيقَةً جَمِيلَةً تَمْلأُها الأزْهارُ الزَّاهِيَةُ و الثِّمارُ الطَّيِّبَةُ. وكان ابْنُهُ "وحيدٌ" وَلَدًا ذكِيًا و مُطِيعًا، إلاَّ أنَّهُ يُكْثِرُ مِنْ رَمْيِ الأَوْسَاخِ في الحَدِيقَةِ أثْنَاءَ لَعِبِهِ فِيهَا. فَكانَ الأمْجَدُ يُسَارِعُ إلى تَنْظِيفِ الأَوسَاخِ في كُلِّ مَرَّةٍ حتّى يُحَافِظَ على جَمالِ حَدِيقَتِهِ. ورَغْمَ أنَّ الأَبَ يُحِبُّ ابْنَهُ كَثِيرًا فَقَدْ كانَ يَنْزَعِجُ مِنْ سُلُوكِهِ اللاَّمَسْئولِ. لِذَلِكَ حَاوَلَ بِكُلِّ الطُّرُقِ أَنْ يُعَلِّمَهُ الحِرْصَ على النَّظَافَةِ لَكِنَّ وحيدًا كَانَ دَائِمًا يَنْسَى ما عَلَّمَهُ أبُوهُ، و يَعُودُ إلى رَمْيِ الأَوْسَاخِ.
و احْتَارَ الأَبُ في ذَلِكَ، و أَطَالَ التَّفْكِيرَ حتّى قَرَّرَ في النِّهايَةِ اسْتِشَارَةَ رَجُلٍ حَكِيمٍ كانَ يَسْكُنُ في طَرَفِ المَدِينَةِ، و هوَ رَجُلٌ مُسِنٌّ عَلَّمَتْهُ تَجَارِبُ الحَيَاةِ الكَثِيرَ فَلَمْ يَكُنْ يَبْخَلُ بِالنَّصِيحَةِ على كُلِّ منْ يَطْلُبُهَا. فَقَصَدَهُ الأَمْجَدُ ذَاتَ يَوْمٍ، وَ طَلَبَ مِنْهُ مُسَاعَدَتَهُ على تَعْلِيمِ ابْنِهِ احْتِرَامَ الحَدِيقَةِ و مَا فيهَا منْ نَبَاتَاتٍ. فَاسْتَمَعَ إِلَيْهِ الحَكِيمُ بِانْتِبَاهٍ ثُمَّ أَعْطَاهُ بَذْرَةً صَغِيرَةً وَ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُعْطِيهَا لاِبْنِهِ لِيَزْرَعَهَا.
و عَادَ الأَبُ إِلى حَدِيقَتِهِ لِيُوَاصِلَ عَمَلَهُ. و عِنْدَمَا اِلْتَحَقَ بِهِ وَحِيدٌ لِيَلْعَبَ كَعادَتِهِ قالَ لَهُ:
- يَا بُنَيَّ، أَنْتَ تَلْعَبُ دَائِمًا في الحَدِيقَةِ، لَكِنَّكَ لَمْ تَزْرَعْ فِيهَا نَبْتَةً وَاحِدَة !
فَبُهِتَ وَحِيدٌ، و ظَهَرَ الوُجُومُ على وَجْهِهِ دُونَ أنْ يَجِدَ ما يَقُولُهُ. فَابْتَسَمَ الأَبُ، و اقْتَرَبَ مِنْهُ و رَبّتَ على كَتِفِهِ و قَالَ لَهُ:
- لاَ عَلَيْكَ يا وَلَدِي، يُمْكِنُكَ أنْ تُشَارِكَ في الزِّرَاعَةِ إِنْ شِئْتَ.
فَالْتَمَعَ وَجْهُ وَحِيدٍ فَرَحًا، و سَأَلَ:
- و كَيْفَ؟ يا أَبِي.
- سَأُعْطِيكَ بَذْرَةً لِتَزْرَعَهَا. لَكِنْ عَلَيْكَ أَوَّلاً أنْ تُعِدَّ لَها مَكانًا.
فازْدَادَ وَحِيدٌ فَرَحًا، و شَعُرَ بالحَماسِ و النَّشَاطِ، و تَنَاوَلَ الرَّفْشَ و اسْتَعَدَّ لِلْعَمَلِ. فَسُرَّ أَبُوهُ، و سَاعَدَهُ في إِعْدَادِ حَوْضٍ مُنَاسِبٍ. ثُمَّ أَعْطَاهُ البَذْرَةَ، فَبَذَرَهَا وحِيدٌ و سَقَاهَا.
و مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ شَعُرَ وَحِيدٌ أَنَّهُ مَسْؤُولٌ عَنِ العِنَايَةِ بِبَذْرَتِهِ كَمَا يَفْعَلُ أَبُوهُ بِغِرَسَاتِهِ. و صَارَ يَتَفَقَّدُها و يَسْقِيها و يَنْتَظِرُ إِنْبَاتَها. و ما هي إِلاَّ أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ حتى ظَهَرَتْ أُولى وَرَقَاتِها. فَفَرِحَ بِها كَثِيرًا، و أَخْبَرَ والِدَيْهِ فَشَارَكَاهُ فَرْحَتَهُ. ثُمَّ نَمَتْ النَّبْتَةُ بِسُرْعَةٍ فَنَبَتَتْ لها بَراعِمُ وارِفَةٌ و أَوْرَاقٌ خَضْرَاءُ نَاعِمَةٌ. و أَصْبَحَ وَحِيدٌ يَجِدُ سَعادَةً كَبِيرَةً في العِنَايَةِ بِنَبْتَتِهِ و الجُلُوسِ بِجَانِبِهَا و مُدَاعَبَةِ أَوْرَاقِها و تَأَمُّلِ جَمَالِها، فَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَنِ اللَّعِبِ و إِلْقَاءِ الأَوْسَاخِ. فَاطْمَأَنَّ أَبُوهُ لِذَلِكَ و أَدْرَكَ أَنَّ الحَكِيمَ قَدْ قَدَّمَ لَهُ نَصِيحَةً ثَمِينَةً.
ثُمّ أَزْهَرَتْ النَّبْتَةُ زَهْرَةً بَيْضَاءَ كَبِيرَةً غَايَةً في الجَمَالِ ونَشَرَتْ أَرِيجَها الفَوّاحَ، فَكَادَ وحِيدٌ يَطِيرُ سُرُورًا حَالَمَا رَآهَا. وما إِنْ اقْتَرَبَ مِنْها و هَمَّ بِلَمْسِها حتى بَادَرَتْهُ قائِلَةً:
- مَرْحَبًا بِكَ يا صَاحِبِي العَزِيزَ.
فَتَسَمَّرَ وَحِيدٌ في مَكَانِهِ مَبْهُوتًا، إِذْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أنْ سَمِعَ زَهِرَةً تَتَكَلَّمُ. و لَمّا لاَحَظَتْ الزَّهْرَةُ دَهْشَتَهُ قالتْ لَهُ:
- مَا بَالُ صَاحِبِي مُنْدَهِشًا؟
فَتَرَدَّدَ وحيدٌ لَحْظَةً، ثمّ قالَ لَها و هو يَتَلَعْثَمُ:
- الحَقُّ... أَنَّنِي... لَمْ أَسْمَعْ... في حَيَاتِي... زَهْرَةً... تَتَكَلَّمُ.
- مَعَكَ حَقٌّ، فَأَنَا لَسْتُ كَبَاقِي الأَزْهَارِ، أنا زَهْرَةٌ عَجِيبَةٌ.
فَاسْتَغْرَبَ وحيد الأَمْرَ. لَكِنَّ كَلاَمَ الزَّهْرَةِ أَبْهَرَهُ، فَانْدَفَعَ يَسْأَلُها عَنْ أَمْرِها. فَأَجَابَتْهُ قائِلَةً:
- أنا مَبْعُوثَةُ الأَزْهَارِ و النَّبَاتَاتِ خُلِقْتُ لِأَعْرِضَ لِلنَّاسِ مَبَاهِجَ الحَدَائِقِ و أُرْشِدَهُمْ إلى احْتِرَامِ الطَّبِيعَةِ. و ما دُمْتَ قَدْ غَرَسْتَنِي و اعْتَنَيْتَ بِي فَسَأَتَّخِذُكَ صَدِيقِي و أُكَافِئُكَ. هَيَّا، تَأَمَّلْ أَوْرَاقِي وَاحِدَةً وَاحِدَةً.
فَتَلَمَّسَ وحيد الوَرَقَةَ الأُولَى فَوَجَدَها ناعِمَةً كَالحَرِيرِ، و نَظَرَ فِيها فَرَأَى حَدِيقَةً غَنَّاءَ مَلِيئَةً بِأَصْنَافِ النَّبَاتَاتِ و الأَزْهَارِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍٍ و غَمَرَتْهُ عُطُورُها الذَّكِيَةُ فَأَنْعَشَتْ فُؤَادَهُ، و رَأى الفَرَاشَاتِ المُلَوَّنَةَ تُرَفْرِفُ فَوْقَ الأَزْهَارِ و العَصَافِيرَ تُغَرِّدُ بِأَشْجَى الأَلْحَانِ. ثمّ أخَذَ يَنْتَقِلُ مِنْ وَرَقَةٍ إلى أُخْرَى فَيَجِدُ في كُلِّ وَاحِدَةٍ مَنَاظِرَ طَبِيعِيَةً تَخْلِبُ الأَلْبَابَ و تَأْخُذُ الأبْصَارَ، و الزَّهِرَةُ تُحَدِّثُهُ عَنْ عَجَائِبِ النَّبَاتَاتِ.
بَعْدَ أَنْ قَضَى وحيد مَعَ زَهْرَتِهِ وَقْتًا مُمْتِعًا أَخْبَرَ وَالِدَيْهِ بِالأَمْرِ فَلَمْ يُصَدِّقَاهُ، و قالاَ لَهُ إِنَّ الأَزْهَارَ لاَ تَتَكَلَّمُ. فَوَجَمَ وحيد قَلِيلاً، لَكِنَّهُ ازْدَادَ تَعَلُّقًا بِزَهْرَتِهِ، فَرَاحَ يَتَفَانَى في العِنَايَةِ بِهَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ. و هيَ تَعْرِضُ أَمَامَ نَاظِرَيْهِ عَالَمَ الطَّبِيعَةِ الفَسِيحَ و تُحَدِّثُهُ عَنْ أَسْرَارِهِ المُدْهِشَةِ، فَتُمْتِعُهُ و تُدْخِلُ إلى قَلْبِهِ سُرُورًا يُنْسِيهِ تَعَبَ الدِّرَاسَةِ و يَمْنَحُهُ مِنَ النَّشَاطِ مَا يُسَاعِدُهُ على إِنْجَازِ كُلِّ دُرُوسِهِ بِشَكْلٍ مُمْتَازٍ، حَتَّى لاَحَظَ وَالِدَاهُ و مُعَلِّمُوهُ اجْتِهَادَهُ فَشَكَرُوهُ وأَعْطَوْهُ الجَوَائِزَ.
و قَدْ أَدْرَكَ وحيد فَضْلَ زَهْرَتِهِ عَلَيْهْ، فَازْدَادَ بِهَا شَغَفًا حَتَّى صَارَ يَهْرَعُ إِلَيْهَا ما إِنْ يَعُودَ مِنَ المَدْرَسَةِ، فَتَحْمِلُ إِلَيْهِ أُمُّهُ طَعَامَهُ فَيَأْكُلُهُ قُرْبَ الزَّهْرَةِ مُسْتَمْتِعًا بِصُحْبَتِهَا.
لَكِنَّهُ أَخَذَ يَتَكَاسَلُ عَنْ إِزَالَةِ بَقَايَا الطَّعَامِ دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ حَتَّى تَرَاكَمَتْ الأَوْسَاخُ قُرْبَ الزَّهْرَةِ. فَاضْطُرَّ الأَبُ إِلَى تَنْظِيفِهَا، أَمَّا الزَّهْرَةُ فَقَدْ أَحْزَنَهَا ذَلِكَ لَكِنَّهَا كَتَمَتْ حُزْنَها و اسْتَمَرَّتْ فِي وَفَائِهَا لِصَدِيقِهَا.
و تَكَرَّرَ ذَلِكَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ حَتَّى انْشَغَلَ الأَبُ و ظَنَّ أَنَّ وحيدًا قَدْ عَادَ إلى سَابِقِ تَهَاوُنِهِ. فَعَادَ إِلى الحَكِيمِ، و قَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ كَامِلَةً. فَنَصَحَهُ بِأَنْ يَتْرُكَ ابْنَهُ و شَأْنَهُ معَ زَهْرَتِهِ، و أَلاَّ يُنَظِّفَ ما يَتْرُكُهُ مِنْ وَسَخٍ. فَفَعَلَ الأَبُ كَمَا أَشَارَ عَلَيْهِ الحَكِيمُ.
و تَرَاكَمَتْ الأَوْسَاخُ حَوْلَ الزَّهْرَةِ المِسْكِينَةِ فَذَبُلَتْ أَوْرَاقُهَا و ارْتَخَى عُودُهَا و خَبَا أَرِيجُهَا و سَكَنَ صَوْتُهَا. و لاَحَظَ وحيدٌ ذَلِكَ فَرَاحَ يَسْأَلُهَا عَنْ حَالِهَا فَلاَ تُخْبِرُهُ بِالحَقِيقَةِ. و سَأَلَ أَبَاهُ مَرَّاتٍ و مَرَّاتٍ، لَكِنَّ الأَبَ اعْتَذَرَ عَنِ الإِجَابَةِ و قَالَ إِنَّهُ لاَ يَعْرِفُ السَّبَبَ. و ظَنَّ وحيدٌ أَنَّ نَبْتَتَهُ تَحْتَاجُ المَزِيدَ مِنَ الغِذَاءِ، فَضَاعَفَ لَهَا كَمِّيَةَ المَاءِ و السَّمَادِ لَكِنْ دُونَ جَدْوَى, حَتَّى لَوَتْ الزَّهْرَةُ عُنُقَهَا و قَارَبَتْ الهَلاَكَ.
و عِنْدَهَا حَزِنَ وحيدٌ حُزْنًا شَدِيدًا، و جَلَسَ قُرْبَ زَهْرَتِهِ يَبْكِي و يَنْتَحِبُ و لاَ يَدْرِي مَا يَصْنَعُ. فَلَمَّا رَأَتْ الزَّهْرَةُ حُزْنَ صَدِيقِهَا أَشْفَقَتْ عَلَيْهِ و قَرَّرَتْ إِخْبَارَهُ بِالحَقِيقَةِ. فَخَاطَبَتْهُ بِصَوْتٍ وَاهِنٍ:
- مَا بِكَ تَبْكِي؟ يَا صَاحِبِي العَزِيزَ.
فَشَعُرَ وحيدٌ بِبَعْضِ الارْتِيَاحِ لأنَّ زَهْرَتَهُ تَكَلَّمَتْ أَخِيرًا. وأَجَابَهَا:
- إِنِّي حَزِينٌ لأَنَّكِ سَتَمُوتِينَ و تَتْرُكِينَنِي وَحِيدًا.
- أَلَمْ تَعْرِفْ السَّبَبَ؟
- لَقَدْ فَكَّرْتُ و سَأَلْتُ و لَمْ أَعْرِفْ. و حتَّى أَنْتِ رَفَضْتِ إِخْبَارِي.
- سَأُخْبِرُكَ. لَقَدْ لَوَّثْتَ تُرْبَتِي بِمَا تَرَكْتَهُ مِنْ أَوْسَاخٍ حَوْلِي فَتَسَمَّمْتُ و مَرِضْتُ، و إِذَا لَمْ تُخَلِّصْنِي مِنْ جَمِيعِ الأَوْسَاخِ اسْتَفْحَلَ بِي الدَّاءُ و هَلَكْتُ.
فازْدَادَ وحيد غَمًّا و عَوِيلاً عِنْدَمَا أَدْرَكَ أَنَّهُ المَسْؤُولُ عَمَّا أَصَابَ زَهْرَتَهُ، و شَعَرَ أَنَّهُ نَاكِرٌ لِلْجَمِيلِ بِإِسَاءَتِهِ إلى الزَّهْرَةِ الَّتِي لَمْ تُعْطِهِ إلاّ الخَيْرَ. لَكِنَّ الزَّهْرَةَ مَدَّتْ إِحْدَى أَوْرَاقِهَا المُرْتَعِشَةِ ومَسَحَتْ بِهَا دُمُوعَهُ و قَالَتْ لَهُ بِصَوْتِها الضَّعِيفِ:
- هَيَّا يا صَدِيقِي، كُفَّ عَن البُكَاءِ، فَلَسْتَ وَحْدَكَ من يُلَوِّثُ النَّبَاتَاتِ، بَلْ أَغْلَبُ النَّاسِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. هَيَّا، ارْفَعْ أَوْرَاقِي و انْظُرْ فِيهَا لِتَرَى مَا يَفْعَلُهُ بَنُو الإنْسَانِ بِالطَّبِيعَةِ.
فَأَخَذَ وحيد يَرْفَعُ الأَوْرَاقَ الذَّابِلَةَ فَيَجِدُ فِي كَلِّ وَرَقَةٍ مَشَاهِدَ تَتَفَطَّرُ لَهَا القُلُوبُ لِمَا يُصِيبُ الحَدَائِقَ مِنْ تَلَفٍ و تَلَوُّثٍ. فالرَّوَائِحُ كَرِيهَةٌ و الأَغْصَانُ مَكْسُورَةٌ و الأَزْهَارُ مَرْفُوسَةٌ بِالأَقْدَامِ و نُفَايَاتُ البْلاَسْتِيكِ في كُلِّ مَكَانٍ...
تَوَقَّفَ وحيد عن البُكَاءِ و أَسْرَعَ يُنَظِّفُ نَبْتَتَهُ و يَعْزِقُ تُرْبَتَهَا و يُزِيلُ أَوْرَاقَهَا المَيِّتَةَ و يَسْقِيهَا و يُسَمِّدُها مِنْ جَدِيدٍ. و ما إنْ أَتَمَّ عَمَلَهُ حتَّى أَخَذَتْ النَّبْتَةُ تَسْتَفِيقُ و تَسْتَعِيدُ عَافِيَتَهَا. فَفَرِحَ وحيدٌ أَيَّمَا فَرَحٍ، و قَطَعَ على نَفْسِهِ عَهْدًا أَلاَّ يَعُودَ إلى تَلْوِيثِ الحَدِيقَةِ أَبَدًا.
و عَادَتْ الزَّهْرَةُ إلى سَابِقِ تَأَلُّقِهَا و مَشَاهِدِهَا الجَمِيلَةِ وأحَادِيثِهَا المُشَوِّقَةِ تَقُصُّهَا على صَدِيقِهَا كُلَّ يَوْمٍ. و رَأَى الأَبُ حِرْصَ ابْنِهِ على نَظَافَةِ الحَدِيقَةِ فَسُرَّ بِهِ و ازْدَادَ لَهُ حَبًّا و احْتِرَامًا.
لَكِنَّ وحيدًا ظَلَّ يَحْمِلُ في قَلْبِهِ حُزْنًا دَفِينًا لَمْ يَسْتَطِعْ التَّخَلُّصَ مِنْهُ، لأَنَّهُ بَقِيَ دَائِمَ التَّفَكُّرِ في مَا شَاهَدَهُ في أَوْرَاقِ زَهْرَتِهِ مِنْ قَسْوَةِ النَّاسِ في مُعَامَلَةِ النَّبَاتَاتِ. و قَدْ تَعَمَّقَ حُزْنُهُ لأَنَّهُ صَارَ يَنْصَحُ أَصْدِقَاءَهُ في الحَيِّ و في المَدْرَسَةِ بِالإِحْسَانِ إلى النَّبَاتَاتِ، لَكِنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْتَمِعْ إِلَيْهِ. فَلَمْ يَكُنْ يُخَفِّفُ عَنْهُ غَيْرُ مُوَاسَاةِ زَهْرَتِهِ. فَقَدْ كانَ يَشْكُو إلَيْهَا إِهْمَالَ رِفَاقِهِ فَتَرُدُّ عَلَيْهِ قَائِلَةً:
- لا عَلَيْكَ، فالطَّبِيعَةُ قَادِرَةٌ على المُقَاوَمَةِ و الصُّمُودِ في وَجْهِ كُلِّ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ التي تَتَعَرَّضُ لَهَا، و لِذَلِكَ سَيَسْتَمِرُّ سِحْرُهَا وخَيْرُهَا رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.
لَكِنَّ الزَّهْرَةَ المِسْكِينَةَ كَانَتْ تُدْرِكُ أَنَّها تُخْفِي الحَقِيقَةَ المُفْزِعَةَ إِذَا تَمَادَى النَّاسُ في العَبَثِ بالطَبِيعَةِ.
و بَقِيَ وحيدٌ حَزِينًا على الحَدَائِقِ مُفَكِّرًا في تَعَاسَتِهَا حَتَّى اهْتَدَى إلى فِكْرَةٍ أَذْهَبَتْ الحُزْنَ مِنْ قَلْبِهِ. فَسَارَعَ يُحَدِّثُ بِهَا زَهْرَتَهُ:
- أَبْشِرِي يا زَهْرَتِي الغَالِيَةَ.. لَقَدْ وَجَدْتُ الحَلَّ لإِنْقَاذِ الحَدَائِقِ مِنْ عَبَثِ النَّاسِ.
فَرَدَّتْ الزَّهْرَةُ و قَدْ آلَمَهَا تَذَكُّرُ مَا تَتَعَرَّضُ لَهُ أَخَوَاتُهَا النَّبَاتَاتُ فِي بَقِيَةِ الأَمَاكِنِ:
- و مَاذَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَفْعَلَ لِهَؤُلاءِ المُهْمِلِينَ العَابِثِينَ؟
- بِإِمْكَانِنَا أَنْ نَفْعَلَ الكَثِيرَ إِذَا تَعَاوَنَّا.
فَالْتَمَعَ لِلزَّهْرَةِ بَصِيصُ أَمَلٍ، و قَالَتْ لَهُ:
- هَيَّا حَدِّثْنِي عَنْ الحَلِّ الَّذِي وَجَدْتَهُ و سَأُسَاعِدُكَ بِمَا أَسْتَطِيعُ، فَلَعَلَّ الْفَرَجَ يَأْتِي على يَدَيْكَ.
فَتَحَمَّسَ وحيدٌ، و قَالَ لَهَا:
- ما رَأِيُكِ لَوْ تُعْطِينِي بُذُورَكِ فَأُوَزِّعَهَا على جَمِيعِ مَنْ أَعْرِفُهُمْ حَتَّى يَزْرَعَ كُلُّ وَاحِدٍ زَهْرَةً عَجِيبَةً فَتُعَلِّمَهُ احْتِرَامَ النَّبَاتَاتِ كَمَا عَلَّمْتِنِي..
فَفَرِحَتْ الزَّهْرَةُ فَرَحًا عَظِيمًا، و أُعْجِبَتْ بِذَكَاءِ وَحِيدٍ وإِخْلاَصِهِ لَهَا و لأَخَوَاتِهَا. و قَالَتْ لَهُ:
- أَنَا مُوَافِقَةٌ. لَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّنِي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْتِجَ البُذُورَ إِلاَّ عِنْدَمَا أَنْفُضُ أَوْرَاقِي و أَمُوتُ.
فَعَادَ وحيدٌ إلى حُزْنِهِ. لَكِنَّ الزَّهْرَةَ العَجِيبَةَ قَالَتْ لَهُ:
- لاَ عَلَيْكَ يَا صَدِيقِي.. فَبِاسْتِطَاعَتِكَ أَنْ تَزْرَعَ مِنْ بُذُورِي فَتَنْبُتَ لَكَ صَدِيقَاتٌ جَدِيدَاتٌ. أَمَّا أَنَا فَبَعْدَ أَنْ أُعْطِيَ البُذُورَ أَكُونُ قَدْ أَدَّيْتُ مُهِمَّتِي و أَتْمَمْتُ وَاجِبِي، و لا بُدَّ أَنْ تَنْتَهِيَ حَيَاتِي.
فَاطْمَأَنَّ وحيدٌ عِنْدَهَا و تَذَكَّرَ أَنَّ أَبَاهُ يُجَدِّدُ نَبَاتَاتِ الحَدِيقَةِ بَعْدَ أَنْ تَمُوتَ بِإِعَادَةِ بَذْرِهَا مِنْ جَدِيدٍ. و اتَّفَقَ مَعَ زَهْرَتِهِ ووَدَّعَهَا وَدَاعًا حَارًّا.
و بَعْدَ بِضْعَةِ أَيَّامٍ أَنْهَتْ الزَّهْرَةُ العَجِيبَةُ حَيَاتَهَا بِسَلاَمٍ. فَقَطَفَ وحيدٌ البُذُورَ، و وَزَّعَهَا على كُلِّ تَلاَمِيذِ المَدْرَسَةِ و سُكَّانِ الْحَيِّ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُمْ بِقِصَّةِ زَهْرَتِهِ. و رَغْمَ أَنَّ الْكَثِيرِينَ مِنْهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوهُ في البِدَايَةِ فَقَدْ لاَحَظَ بَعْدَ مُدَّةٍ أَنَّ الْجَمِيعَ أَصْبَحُوا يُنَادُونَهُ بِصَدِيقِ الطَّبِيعَةِ، كَمَا اكْتَشَفَ أَنَّ الْكَثِيرِينَ مِنْهُمْ أَصْبَحُوا يُشَارِكُونَهُ في الدِّفَاعِ عَنْ النَّبَاتَاتِ.

لكم كل التحية
ا
avatar
سفانة
 
 

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 7920
نقاط : 15257
تاريخ التسجيل : 28/08/2011
. :
. :

بطاقة الشخصية
زنقتنا:

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الزهرة العجيبة

مُساهمة من طرف الخويلدية في السبت 21 سبتمبر - 13:48

avatar
الخويلدية
 
 

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 226
نقاط : 3956
تاريخ التسجيل : 16/08/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الزهرة العجيبة

مُساهمة من طرف fawzi zertit في الإثنين 23 سبتمبر - 22:16

Thump up Thump up Thump up Thump up 


ـــــــ-ــــــ-ـــــ-ـــــ-ــــــ-ـــــــ-ـــــ-ــــ-ــــــ-ــــــ-ـــــــ-ـــــــ-ـــــــ-

التوقيع
avatar
fawzi zertit
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 9109
نقاط : 16129
تاريخ التسجيل : 02/06/2011
. :
. :
. :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الزهرة العجيبة

مُساهمة من طرف سفانة في الأربعاء 25 سبتمبر - 8:07

الخويلدية كتب:
شكرًا أختي ع الباقة الجميلة
avatar
سفانة
 
 

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 7920
نقاط : 15257
تاريخ التسجيل : 28/08/2011
. :
. :

بطاقة الشخصية
زنقتنا:

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الزهرة العجيبة

مُساهمة من طرف سفانة في الأربعاء 25 سبتمبر - 8:08

fawzi zertit كتب:Thump up Thump up Thump up Thump up 


شكرًا لمرورك أخي فوزي
avatar
سفانة
 
 

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 7920
نقاط : 15257
تاريخ التسجيل : 28/08/2011
. :
. :

بطاقة الشخصية
زنقتنا:

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى